رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
ياسر رافع
ياسر رافع

الاعتراف

الجمعة 21/يوليه/2017 - 04:06 م
لا زالت الدولة المصرية تبهرنا بحركتها تجاه محاولة تجديد الخطاب الدينى ومكافحة ثقافة الموروث الذي أوصل البلاد إلى هذا المنحدر الزلق، والمتاهه الفكريه التي نعيشها، ولكنه إبهار يستخدم أدوات تقليديه ليس فيها أي نوع من التجديد – حتى وأن باركنا التحرك في اتجاه التجديد – حيث إن الموروث غالب على هذا التحرك بل ويتحرك من خلاله وليس من خارجه، فعلى الرغم من محاولة الدوله مواجهة الموروث وتصحيح المفاهيم من خلال سياسة " طرق الأبواب " ومناقشة الموروثات السائده مع الناس مباشرة وتصحيح مفاهيمهم عبر إنشاء " أكشاك " صغيره في محطات المترو بداخلها شيوخ معممين من الأزهر الشريف أو من وزارة الأوقاف في محاوله للخروج على الواقع السائد إلا أن ذلك استنساخ يثير هواجس تستدعى مواجهتها في مهدها حتى لا تثير سخريه تمنع الاستفاده من التجربه وتجعل محاولة الدوله لطرق أبواب المشكله موصده في وجهها بل وتزيد من حالة الحيره والتوجس لدى الناس من أهمية تلك المحاوله أو المراد منها؟

الدوله المصريه طوال تاريخها الطويل دائما ما كان الدين حاضرا في تعاملها مع الشعب وهو تعامل اتخذ شكلا ثابتا لم يتغير، مؤسسه حكم وأنصارها من الأغنياء أو رجال المال ومؤسسه دينيه عتيده لها تقاليدها وثوابتها التي لم تختلف في حركتها الأساسيه من الوثنيه الفرعونيه أو المسيحيه القبطيه أو الإسلام، فشكل العلاقه بين المؤسستين واضح تماما ولم يضف جديدا لدى الشعب المصرى الذي اعتاد على هذا الشكل وأصبح الخروج عليه هو خروج على المألوف الذي لم يعتده الشعب الذي يحب الاستقرار إلى درجة العشق وهوالذى أسلمه إلى حالة رفض التجديد الذي يتقبله في أحيان قليله رغما عنه إذا تم فرضه قسرا عليه من قبل السلطه الحاكمه.
علاقه حصرت الشعب بين السلطه الحاكمه والمؤسسه الدينيه يضبطها إيقاع تماهى حركتهما معا، وهوالذى أوجد يقينا لدى الشعب منذ بدأ الدوله المؤسسيه في مصر أن المؤسسه الدينيه هى الوسيله الوحيده القادره على إخراجه من حالة عدم اليقين الدينى ورفع المظالم الواقعه عليه من قبل السلطه، وقد اتخذ هذا السلوك الأبدى أشكالا ثابته وطقوسا لم تختلف بتغير الدين أو المعتقد. فقد وجد في الذهاب إلى المعابد القديمه ملجأ يلتمس فيه الإجابه عن تساؤلات تخص الدين وشكل الاعتقاد وملجأ للشكايه من الأحوال الإقتصاديه والظلم الواقع عليه من قبل السلطه محملا بالقرابين للآلهه المختلفه وكانت الإجابه في معظم الأحوال تحكمها العلاقه بين المعبد وقصر الحاكم والتى كانت تسلمه إلى الشكل الغيبى بدلا من مواجهة الظلم المجتمعى أو الفرار إلى الصحراء، وعندما سقطت السلطه الفرعونيه القديمه وحل مكانها دوله جديده ودين جديد وهو المسيحيه وعلى الرغم من الصدام الدامى الذي حدث للمؤمنين المصريين نتيجة إختلاف المذهب الدينى بين السلطه والكنيسه إلا أن السلوك المصرى الممتد لم يتغير في تعاطيه السلوكى مع الكنيسه فكان يذهب للكنيسه للبحث عن إجابات دينيه وشكايه من ظلم سلطه أو فرار للصحراء غلف هذه المره بغلاف دينى (رهبنه) تم تقنينه بعد ذلك، وعندما بدأ عصر جديد آخر ودين جديد آخر وهو الإسلام فقد بدا أن هناك تغييرا سلوكيا جديدا سينشأ فلم يكن دعاة الدين الجديد يعتمدون الطقوس داخل الجدران ولكن جعلوا جدران المسجد سلوكا عباديا ودينيا يتماشى مع بساطة الدين الجديد الذي يرفض الكهنوت والزعامه الدينيه وهو سلوك يتماهى مع سلوك سلطه جديده تريد شكلا جديدا في التعامل مع الشعب الذي سرعان ما تجاوب معها، ولكن سرعان ما حدث تحول أوجد صراعا مذهبيا غذته السلطه في مراحل وحقب تاريخيه لاحقه وأصبح على الشعب الخيار بين دعاة المذاهب المختلفه (مالكيه – حنفيه – شافعيه – حنابله) حتى صار في مصر قضاه لكل أتباع مذهب وأصبح الشعب أسيرا بين ليلة وضحاها لسلوكه الأبدى ملتمسا البحث عن إجابات وتساؤلات تطال تدينه وشكله الاعتقادى وشكايه لظلم حكام انتهوا عكس ما بدأو وكان الفرار حاكما أيضا هنا: قال تعالى " أن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ".
وبمرور الزمن تحول الدين إلى شكل عبادى طقوسى يظهر ويخبوا صاخبا في الأعياد والمناسبات الدينيه مبتعدا عن جوهر الدين وقوانينه الحاكمه في ظل تراجع وتخلف الدوله الحضارى بسلطتيها الحاكمه والدينيه على مدار مئات السنين وأصبح الحديث عن مذاهب وملل دينيه إسلاميه ومسيحيه أمرا معتادا وعاديا وأصبحت هناك فوضى عارمه طالت العقل الجمعى للشعب الذي طاله حالة تخلف تغلفها حالة من الجمود والتعصب سرعان ما يظهر أثرها عند أول إحتكاك ولو غير مباشر بين أصحاب المذاهب والدين المختلفين. حاله توسم الجميع بنهايتها مع بداية الدوله المصريه الحديثه في عصر محمد على باشا والذى بشر ببداية زمن جديد وأصبح للأزهر حضورا طاغيا وتوحدت المذاهب تحت رايته وأصبحت الكنيسه الأرثوذكسيه (كنيسة الإسكندريه) حاكمه للتغير المذهبى تحتها وبدا أننا بدأنا عصرا دينيا جديدا بعدما وجدنا أن كلا المؤسستين الدينيتين أصبحا لهما دورا في قياده الشعب والأخذ بيده خارج الإطار التقليدى ومساندته في المطالبه بحقوقه لدى السلطه الحاكمه في مناسبات عده لعل أشهرها قيادة الأزهر للثوره على الحمله الفرنسيه وتولية محمد على باشا، والقيادة الروحيه للأزهر والكنيسه لجماهير الشعب في ثورة 1919 مشفوعه بشعارات جماهيريه هادره تثمن تلك القياده ومؤيده لها " عاش الهلال مع الصليب "، وأصبح الحديث عن زمن جديد يؤسس لعلاقه جديده بين الحكم والمؤسسه الدينيه والشعب حلما سهل المنال.. ولكن؟

ولكن التغييرات السريعه في الأفكار في النصف الأول من القرن العشرين والتى كانت تريد خروجا على المألوف من وجهة نظر رافضه للتغير من خلال المؤسسه الدينيه أوجدت حاله مكرره في التاريخ المصرى كخروج " آخناتون " الشهير على كهنة المعبد، وكذلك خروج أتباع " أريوس " على كنيسة الإسكندريه، وصولا للتنظيمات الدينيه الإسلاميه التي خرجت وتريد البحث عن إطار آخر غير الأزهر، وفي الحالات الثلاث اعتمد العنف والتدخل السلطوى لحسم الصراع الدينى ولكنه لم ينهى الأزمه التي تعصف بالبلاد حينها والأن... لماذا؟
لأن السلطه وأن كانت راغبه في التجديد في الوقت الحالى إلا أنها تنسى أو تحاول أن تتناسى أنها تحمل إرثا ثقيلا من سلوك حاكم لها لم يتغير منذ بدأ الدوله المصريه، وإرثا للمؤسسه الدينيه بجناحيها محملا بموروثات ثقيله أصبح التحرر منها ضربا من المستحيل لأنها أصبحت في صلب المعتقد بمرور الزمن، وشعب عشق الطقوس والشكل العبادى واعتمده سلوكيا تتقاذفه أمواج تغيير سريع يطال كل مناحى الحياة باحثا عن إجابات ولا يرى إجابات واضحه سواء دينيه أو حياتيه لعلاقته بالسلطه.
لذلك إذا كانت الدوله تريد حلا لمشكله أزليه يظنها البعض تخص دينا أو مذهبا بعينه، وتريد القفز مباشرة ومخاطبة الشعب في محاوله لتغيير مفاهيمه فعليها أن لا تعتمد صيغة " الكشك " في الأماكن العامه وحصرها في إطار دينى معين حتى لا يحدث إلتباس لدى الناس والأجدر أن يكون هناك شيخ وقس في نفس المكان، مع الأخذ في الاعتبار أن المحاوله لن يكتب لها النجاح إلا إذا توفرت النيه لدى المؤسسه الدينيه بجناحيها للتغيير، وكذلك الأخذ في الاعتبار أن محاولة إرجاع الشعب لمفهوم المعبد في شكلا جديد هو محاولة لمخاصمة المستقبل الذي تبشر به السلطه الحاكمه كل يوم.
إن إيجاد علاقه جديده بين السلطه والمؤسسه الدينيه والشعب يجب أن تخرج خارج الإطار الطقوسى المتسق مع الموروث، علاقه مبنيه على مفردات المستقبل وليست قائمه على مكافحة الموروث فقط، وليست قائمه على مكافحة الإرهاب أيا ما كان شكله والذى بزواله ترجع الأمور إلى سابق عهدها، يجب أن تعمم تلك التجربه ليس فقط لشعب يريد إجابات دينيه حياتيه بل نريدها تجربه تعمم لدى السلطه والمؤسسه الدينيه ذاتهما، نريد " كشك اعتراف " للخطايا التي أقترفت من خلالهما تطهرا إيذانا ببداية عصرا جديد، ولا تحسبوا يقينا أن الشعب فقط هو من بحاجه " للكشك الدينى ".

إرسل لصديق

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري
ads
ads