رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
د . عادل عامر
د . عادل عامر

الخوف والفزع والقلق

الثلاثاء 15/أغسطس/2017 - 11:51 ص
يطلق على عصرنا مع قليل من المبالغة لقب عصر الإرهاب، لكن ومع اقتراب أكثر من الواقع يمكننا تسميته عصر الهجرة. 
عادةً ما نميل للتفكير بالهجرة على أنها بعض الأشخاص الذين يعبرون الحدود ولكننا إذا ما ألقينا نظرة إلى الهجرة داخل الدولة ذاتها سنلاحظ مدى التنقل الهائل للإنسان المعاصر من هجرة حرة وقسرية، منتظمة وغير منتظمة. بواقع شخص واحد من كل سبعة أشخاص أي ما يقارب المليار إنسان يعد وفق هذا المعنى الموسع مهاجراً: 740 مليون منهم مهاجرون داخليون 215 مليون مهاجرون خارجيون دون احتساب أعداد السياح. يكون هؤلاء المسافرون مدفوعين بعوامل اقتصادية وبيئية وسياسية وعوامل جذب وطرد أخرى. ستزداد أعدادهم في السنوات المقبلة على الأغلب بسبب عوامل مثل تناقص الغلة الزراعية نتيجة تغير المناخ وارتفاع منسوب البحر والاضطراب السياسي وانعدام الأمن. ينصبّ اهتمامنا الرئيسي في هذه الورقة على الهجرة القسرية "اللجوء".
حيث تنمو ظاهرة اللجوء بشكل ملاحظ ففي ثلاث سنوات فقط ارتفع النزوح في جميع أنحاء العالم، فتَرْكُ الناسِ لمنازلهم ازداد بنسبة 40% من 42.5 مليون إلى 59.5 مليون. مازال معظم هؤلاء النازحين يعيشون حياة غير مستقرة وخصوصاً نسبة 86% منهم تلك التي تعيش في البلدان النامية. احتمالية ازدياد أعداد المهاجرين مرتفعة خصوصاً مع وجود 1.6 مليار إنسان أي ما يقارب خمس سكان العالم مهددون بأشكال مختلفة من عدم الاستقرار والأمان وذلك وفقاً لتقديرات البنك الدولي
الإرهاب من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية هو أيضاً عامل أساسي في الهجرة القسرية، تكون عمليات الترحيل هذه أحياناً سياسة متعمدة وأحياناً غير مقصودة وتحصل بسبب ممارسات المتمردين الإرهابية. لوحظ أنه كلما زاد عدد العمليات الإرهابية وكلما زاد عدد قتلاها، كلما زاد بالمقابل عدد المهاجرين القسريين من تلك الدولة المعنية. تظهر بيانات جمعت من كل من أفغانستان والعراق وسوريا و(باكستان أقل إلى حد ما) أن عدد طالبي اللجوء لأول مرة في أوروبا يتناسب مع عدد قتلى الهجمات الإرهابية في تلك البلدان.
داعش تعتبر أن الهجرة (الهجرة مع إسقاط شرعي) إلى بلد الخلافة هي واجب على كل مسلم. وينظر الخليفة لهؤلاء الذين يتركون أرض الخلافة إلى مناطق أخرى على أنهم كفار. هناك بعض المؤشرات على أن داعش تحاول فرض ضرائب على عمليات الهجرة هذه بالتعاون مع تجار البشر واستخدام موجات الهجرة هذه كطريق تسلل للمقاتلين الأجانب للعودة إلى أوروبا. استهدف نظام الأسد المدنيين عمداً كأداة لحرمان المسلحين من بيئة حاضنة. سبب النظام موجات نزوح داخلية وخارجية أكثر مما سببت داعش. النسبة الأكبر من اللاجئين في العالم 86% وفق إحدى الإحصاءات توجد في دول العالم النامية. تستخدم مخيمات اللاجئين في بعض الأحيان من قبل المتطرفين للتجنيد وكقواعد أيضاً لشن الهجمات. كان هذا صحيحاً بشأن الإرهاب الفلسطيني وكذلك بعض الهجمات التي انطلقت من مخيمات للاجئين في باكستان. مخيمات اللاجئين في الدول المتقدمة وكذلك في أوروبا كانت هدفاً لهجمات إرهابية. هجمات الإحراق المتعمد لمراكز اللجوء في كل من ألمانيا والسويد ترسل رسائل واضحة وليس هناك من مبرر لعدم تسميتها أعمالاً إرهابية.
يمكن أن تصبح أراضي الشتات التي يلجأ إليها الناس من البلدان التي تشهد عمليات قمع وحرب أهلية وإرهاباً مكاناً لحياكة المؤامرات وتدبير العمليات الإرهابية. في تسعينيات القرن الماضي أصبحت لندن مركزاً أساسياً للجهاديين مما دعا أحد المسؤولين الأمنيين الفرنسيين إلى تسميتها (لندنستان) في إشارة منه إلى التآمر الإرهابي الذي يجري على أراضيها. في الآونة الأخيرة أصبحت مولينبيك في بلجيكا تقوم بمثل هذا الدور.
بعض أبناء المهاجرين إلى الدول الغربية لا يندمجون في المجتمعات المضيفة بشكل كامل ويعلقون بين ثقافتين يجدون في الجهاديين قدوة لهم في أثناء بحثهم عن هويتهم حتى أن الآلاف منهم هاجروا إلى سوريا ليكونوا من المقاتلين الأجانب.
يمكن أن يكون المهاجرون إرهابيين، ويمكن أن يكون الإرهابيون مهاجرين بعدة حالات:
الهجرة إلى أرض الخلافة فرض على كل مسلم بهذه العبارة اجتذبت داعش الكثير من الشباب المسلمين إليها من دول الشتات الغربية. ينتقل بعض الجهاديين الذين لا يستطيعون العودة إلى بلدانهم الأصلية دون التعرض للاعتقال من وجهة إلى أخرى للجهاد (أفغانستان - البوسنة - الشيشان - الصومال - سوريا - ليبيا) يختطف الإرهابيون بعض المهاجرين لأسباب اقتصادية ويجبرونهم على الانضمام إليهم سواء كانوا رجالاً أو حتى نساءً وأطفالاً على سبيل المثال جماعة بوكو حرام في نيجيريا.
شارك بعض المقاتلين الأجانب بأعمال إرهابية بما في ذلك العمليات الانتحارية وبعدها عاد بعضهم إلى بلدانهم الأصلية مع موجات الهجرة كجزء من اللاجئين.
رفع وصول أعداد كبيرة من اللاجئين الذين لم يكن التعامل معهم صحيحاً من خطر الهجمات الإرهابية في البلد المستقبل سواء تلك المحلية أو العابرة للحدود. تاريخياً عدد المجرمين والإرهابيين في موجات الهجرة الجماعية منخفض ولكن الإرهابيين في الغالب يكون لديهم خلفية يبدؤون منها.
ليس الإرهاب فقط هو من يمكنه أن يسبب موجات من اللجوء والنزوح الداخلي ولكن عمليات مكافحة الإرهاب هي الأخرى يمكنها أن تسبب نزوح الكثير من الناس.
تستخدم عمليات الحد من الهجرة كأداة أساسية للحد من الإرهاب ولكنها تضر المهاجرين بنية حسنة أكثر مما تفعل بالمتسللين لغرض أعمال إرهابية. وتعزز أيضاً مشاعر الكراهية للأجانب وتحرم الدول المضيفة التي تطبق هذه السياسة من العديد من المساهمات الإيجابية التي يمكن أن يقدمها بعض أنواع المهاجرين. هناك خطر إضافي في استعمال أدوات الحد من الهجرة حيث يمكن أن تستخدم أيضاً لمراقبة المواطنين. استخدمت قضايا الهجرة واللجوء كأدوات بيد الحكومات إلا أن الفرضية القائلة أن موجات الهجرة الحالية إلى أوروبا هي مؤامرة روسية لزعزعة استقرار أوروبا فرضية مستبعدة وغير معتمدة ولا تثبتها الأدلة التجريبية.
إن حقل التفاعل بين الهجرة والإرهاب حقل غني للبحث ويستحق كل الاهتمام حيث يمكن حينئذ الفصل بين المخاوف الحقيقية وتلك التي لا أساس لها، بذلك يمكن بناء سياساتنا على أرض صلبة من البحوث والمعرفة. "هرب الملايين من الناس من تلك المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية المتطرفة العنيفة.
تزايدت موجات الهجرة من تلك المناطق وإليها على حد سواء فغادرها أولئك الباحثون عن السلام وجاء إليها المنجذبون إلى مناطق الصراع كمقاتلين أجانب، مما زاد من زعزعة استقرار تلك المناطق يشير حجم التهجير القسري، إلى جانب الاضطرابات السياسية الواسعة، إلى نقطة تحوّل تاريخية في المنطقة لم يسبق لها مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد انهارت الحدود الدولية بين العراق وسورية في ظل الحملة العنيفة التي يشنّها تنظيم الدولة الإسلامية، وتسعى أطراف الصراع المختلفة إلى إعادة تشكيل جغرافية الدول وضمان السيطرة على الأراضي باستهداف الأفراد والمجتمعات على أساس الهوية في ما يرقى إلى أعمال تطهير عرقي.
يمثّل هذا التهجير القسري للسكان إلغاءً ديموغرافياً لاتفاق سايكس-بيكو، المعاهدة الفرنسية-البريطانية التي رسمت حدود الدول في المشرق العربي. ولا تعدّ عمليات تهجير السكان الجارية على أساس الهوية إعادة تشكيل للمجتمعات السورية والعراقية وحسب، بل تؤثّر أيضاً على البلدان المجاورة، أي لبنان والأردن.
علاوةً على ذلك، تؤدّي هذه الإجراءات إلى تفكّك التنوّع العرقي والطائفي الذي اتّسمت به هذه المجتمعات لآلاف السنين. كما أنها تدفع إلى عسكرة المجتمعات، حيث تسعى بعض الجماعات العرقية والطائفية إلى التسلّح بهدف حماية نفسها.
ولا تقتصر المخاوف المتعلّقة بالهوية على الأطراف المتحاربة. تُهيمن المخاوف الوطنية المتعلقة بالهوية أكثر فأكثر على السياسة والنقاشات العامة بشأن اللاجئين في لبنان والأردن، وإن كان ذلك يتم بطرقٍ مختلفة.
إذ يُبدي الشعب عموماً وصانعو القرار قلقاً متزايداً من أن الارتفاع الكبير في عدد اللاجئين الوافدين إلى بلادهم قد يغيّر التركيبة السكانية الحالية ويقوّض الأنظمة الاجتماعية القائمة. في لبنان، ثمّة خوف من أن السوريين، السنّة في غالبيتهم، سوف يخلّون بالتوازن الطائفي الدقيق القائم في البلاد. وفي الأردن، يتمحور قلق الهوية حول الأصول الوطنية لقاطنيه.

إرسل لصديق

من سيتوج بكأس مصر

من سيتوج بكأس مصر
ads
ads
ads