رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

روسيا وإعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط

الأربعاء 13/ديسمبر/2017 - 04:34 م

جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخاطفة إلي سورية ، والسريعة إلي كل من مصر وتركيا ، في الحادي عشر من ديسمبر 2017 ، لتدشن مرحلة جديدة في الدور الروسي المتزايد في منطقة الشرق الأوسط ، في مواجهة تلاشي وأفول الدور الأمريكي الذي ظل مهيمناً علي ملفات المنطقة طوال العقود الثلاثة الأخير دون أي منافسة من أي من القوي الكبري .
السياسات المدروسة من قبل الرئيس بوتين ، والتي تسير بوتيرة سريعة وراسخة ، تثبت أقدام روسيا في المنطقة ، واكتساب ثقة دول المنطقة حكاماً وشعوباً علي حدا سواء ، خاصة إذا ما قورنت بنظيرتها الأمريكية التي لا تعطي فرصة لحكام دول المنطقة لاقناع شعوبها باعتبار الولايات المتحدة صديقاً ، نظراً لسياساتها العدائية للعالم العربي والإسلامي ، سواء ما تعلق منها بالدعم الواضح والصريح لدولة الإحتلال الإسرائيلي علي حساب حقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ، والتي كان آخر الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ، ونقل السفارة الأمريكية إلي القدس ، أو الدعم الأمريكي لجماعات ومنظمات تسعي إلي تقسيم وتفتيت دول المنطقة ، كدعمها لإقليم كردستان العراق في استفتائه علي الانفصال عن الجمهورية العراقية ، قبل أن تعلن التراجع عن ذلك الدعم بعد ضغوط الانتصارات التي حققتها الحكومة العراقية في افشال ذلك المخطط ، إضافة لدعم " وحدات حماية الشعب الكردي " في سوريا ، والتي بدورها تمثل امتداداً وحليفاً لمنظمة BKK المصنفة في تركيا علي أنها منظمة ارهابية .
كان طبيعيًّا أن يَبدأ الرئيس الروسيّ هذهِ الجولة بزِيارة قاعدة " حميميم " الجَويّة في مِنطقة اللاذقيّة شمال سورية ، التي لَعِبَت الدّور الأكبر في حَسم الأزمةِ السوريّة لصالحِ الجيش العربيّ السوريّ ، وإفشالِ جميع المُخطّطات الراميةِ إلى إسقاطِ النّظام في دِمشق ، وأن يُعلن أن المُهمّة قد أتم انجازها ، ومن ثم أصدر تعليماته ، باعتباره القائد الأعلى للقوّات المُسلّحة في روسيا ، بعودة الجزء الأكبر من القوة العسكرية إلي أرض الوطن .
ورغم أن البعض اعتبر أن سحب القوات العسكرية الروسية من سورية هو انسحاب روسي من المنطقة ، إلا أن ذلك القرار له أهميته الكبيرة ، حيث أن من شأنه ارسال رسائل عديدة ، أولي هذه الرسائل هي موجهة للولايات المتحدة ، التي تتخذ من وجود القوات الروسية ذريعة لتواجد القوات الأمريكية في سورية ، والقرار الروسي يدحض الذرائع والحجج الأمريكية ببقاء قواتها العسكرية في سورية والعراق .
كما أن قرار سحب جزء من القوات الروسية له دلالات كبيرة من الناحيتين المعنوية والواقعية ، فهذا القرار يأتي للإعلان عن انتهاء مرحلة ، وبداية مرحلة أخري ، انتهاء المرحلة العسكرية ، وبداية المرحلة السياسية وإعادة الاعمار ، كذلك يعبر القرار عن دلالة معنوية بأن روسيا التي دخلت بقواتها إلي سورية قد خرجت منتصرة بعد تحقيق أهدافها ، بعكس الولايات المتحدة التي تدخلت في العديد من الدول وخرجت منها منهزمة ، لم تستطع تحقيق أهدافها ، تاركة وراءها دولاً فاشلة مثل أفغانستان والصومال .
الانتصار الذي حققته القوات الروسية في سورية ، فَتح أبواب مِنطقة الشرق الأوسط على مِصراعيها لروسيا ، الدولة التي لها سياسيات راسخة ، تقف مع أصدقائها دون ابتزاز أو التخلي عنهم وقت الشدائد ، واستطاع الرئيس بوتين أن يُوجّه رسالةً قويّةً إلى حُكومات ودول المنطقة وشُعوبها ، بأنّ الخَلطة السحريّة للسياسة الروسيّة التي تعتمد على الدبلوماسيّة المَدعومة بالقوّة العسكريّة ، تُشكّل نظريّة عالميّة جديدة تحقق الانتصارات والإنجازات للحلفاء علي الأعداء الذين لديهم أجندات تدميرية .
حصد الرئيس بوتين ثِمار النّصر الذي صنعه بنفسه من خلال خبراته وحنكته السياسية والعسكرية معاً ، فقد استطاع اتخاذ قراره الشجاع بإرسال طائراته وجنوده وخبرائه والوقوف إلي جوار الحليف السّوري ، كما استطاع بخبرته ودهائه السياسي أن يشكل حلفاً قوياً رغم اختلاف الميول والسياسيات بينهما ، واستطاع أن يجعل بين أصحاب السياسيات المتضادة " تركيا وإيران " أن يوجد مصالح مشتركة ، ويعمل علي تكوين حلف متين تجمع بينهما مصالح مشتركة ، رغم الروابط التي تجمع بين تركيا وحلفائها في الغرب .
زيارة الرئيس بوتين إلي تركيا كانت الأكثر أهميّة في زياراته الثلاث لمنطقة الشرق الأوسط ، حيث تمثل السياسات التي تتبعها كل من تركيا وروسيا في الفترة الأخيرة حجر الزاوية ، والمحرك الرئيسي للأحداث في المنطقة ، فقد استطاع الرئيس بوتين بدهائه السياسي اخراج تركيا من الحلف الأمريكي الغربي ، لتكون اللاعب الأبرز في هَزيمة الإرهاب بشقيه ، سواء المتعلق المتعلق بالدولة الإسلامية " داعش " ، أو المتعلق بجماعات المعارضة المسلحة ، ضمن المعسكر الروسي الإيراني .
الرئيس بوتين الذي استطاع هو مد جُسور التّعاون والتّحالف ، بين إيران وتركيا ، وأنحي بخلافاتهما جانباً ، وجَمعهما معًا تحت قِيادته في سوتشي في قمّةً رَسمت خريطةً جديدةً لمِنطقة الشرق الأوسط ، لا نَستبعد تكون جولته في المنطقة تُمهّد لتوسيع دائرة التحالفات ، وضم كل من مصر وسورية إلي ذلك التحالف ، نعم سورية موجودة بحكم التحالف الروسي السوري ، والتحالف السوري الإيراني ، ولكن يلزم ذلك التحالف الذي تقتضيه الظروف الراهنة في المرحلة المقبلة ضم الرئيسين السوري بشار الأسد ، والمصري عبد الفتاح السيسي بشكل مباشر مع الإيراني حسن روحاني والتركي رجب طيب اردوغان ، ولذلك لا نستبعد أن تكون محادثات الرئيس بوتين في القاهرة وأنقرة علي وجه الخصوص تطرقت إلي التقارب المصري التركي ، وفتح صفحة جديدة بين البلدين .
توقيت زيارة الرئيسس بوتين إلي المنطقة ، ومحطاته الثلاث " سورية ، مصر ، تركيا " علي وجه التحديد لها دلالات هامة ، فاختيار التوقيت الذي يتم فيه الإعلان عن انتصار القوات العراقية والسورية علي تنظيم الدولة الإسلامية ، يشير إلي أن تواجد القوات الأجنبية ، والأمريكية علي وجه الخصوص لم يعد لها مبرر ، وعليها الرحيل عن دولة ذات سيادة بعد أن تلاشي السبب الذي تذرعت بالتواجد من أجله ، وهو محاربة إرهاب الدولة الإسلامية ، الأمر الذي يعني خروج الولايات المتحدة من منطقة أصبح النفوذ الروسي هو الأساس ، وهو المرحب به باعتباره شريكا أسياسياً في محاربة الإرهاب ، وحليفاً موثوقاً به .
تركيا تقترب شيئاً فشيئاً من سورية ، فقد أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في اليوم التالي لزيارة الرئيس بوتين لتركيا ، أن أنقرة لم تعد ترى خطراً في النظام السوري ، أنها سوف تعمل علي التنسيق مع موسكو عملية عسكرية ضد " وحدات حماية الشعب " الكردية في سوريا ، إذا ظهرت الحاجة إلي ذلك ، ومن ثم فإن انضمام الرئيس بشار الأسد إلي التحالف الروسي التركي الإيراني لم يعد مستبعداً ، وباق قريباً الآن أكثر من أي وقت مضي .
كما أن رغبة روسيا في ضم مصر إلي الحلف الروسي التركي الإيراني أصبحت كبيرة في هذه الفترة ، خاصة أن المواقف المصرية من الأزمة السورية هي قريبة من موقف هذا التحالف ، بمصر منذ بداية الأزمة السورية أعلنت تأييدها للدولة السورية الرسمية وفي حقها في الدفاع عن نفسها ، والحفاظ علي سورية دولة موحدة ، وعدم الزج بها إلي مصاف الدول الفاشلة مثل ليبيا واليمن ، والعراق من قبل ، ومن ثم كانت زيارة الرئيس بوتين للقاهرة باعتبارها ثاني أكبر مُشترٍ للأسلحة الروسيّة في العالم ، وتوقّيع اتفاقية بِناء روسيا لمَحطّة الضبعة النووية ، وتدريب الكوادر العِلميّة المِصريّة التي ستتولّى مُهمّة إدارته المحطة مستقبلا ، وإعطاء إشارات قوية علي اقتراب عودة حركة الملاحة الجوية المباشرة بين البلدين ، ومعها عودة السياح إلي مصر في القريب ، كلها مؤشرات علي اهتمام الرئيس بوتين بأهمية الدور المصري في المرحلة المقبلة .
قمة منظمة التعاون الإسلامي الطارئة التي دعت إليها تركيا يوم الثالث عشر من ديسمبر 2017 ، والتي كانت مخصصة للرد علي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اتخذه بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس ، تحدثت بوضوح وعلي لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن فقد الولايات المتحدة لصفة الوسيط النزيه في الصراع العربي الإسرائيلي ، وتساءل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الوسيط الذي يمكن أن يكون قادراً علي إدارة ذلك الصراع ، في إشارة إلي الدور الروسي المتنامي في المنطقة ، فوجود روسيا القوي في منطقة الشرق الأوسط ، وانتصارها علي الإرهاب الذي ساهمت في صنعه الولايات المتحدة وإسرائيل ، ومواقفها المتزنة ، كل ذلك يؤهل روسيا إلي القيام بدور الوسيط ، أو علي الأقل إعادة التوازن في العلاقات الدولية بعدما انفردت الولايات المتحدة واحتكرت الوساطة المنحازة لصالح إسرائيل .
يبقي الدور الهام علي دول المنطقة وخاصة القوي الإقليمية في دعم الوجود الروسي في هذه المنطقة التي تشهد إعادة ترتيب ملفاتها من جديد وفق أسس جديدة ، حيث التغيرات الكبيرة في موازين القوي الإقليمية والدولية ، حيث تشهد المنطقة نشاط ملحوظ لكل من تركيا وإيران كقوي إقليمية هامة ، ومصر التي تسعي لتجاوز مرحلة عدم الاستقرار السياسي واستعادة دورها الإقليمي ، كما تشهد الساحة الدولية تنامي الدورين الروسي والصيني ، ومن ثم فإن كل هذه الأطراف الإقليمية " مصر ، تركيا ، إيران ، سورية ، العراق " في حاجة إلي البحث عن الأرضية الصلبة التي تقف فيها ، من أجل اثبات وجودها كقوي إقليمية بعيداً علي الهيمنة الأمريكية التي تسعي إلي تهميش هذه القوي ، بل تسعي إلي تفتيت دول المنطقة لصالح دولة إسرائيل .
أخيراً يمكن القول إن زيارة الرئيس بوتين الأخير لمنطقة الشرق تأتي في سياق إعادة ترتيب الأوراق ، وتنظيم التحالفات للقوي الإقليمية ، ودعم مؤتمر سوتشي ، سواء من خلال منصة القاهرة ، أو من خلال المعارضة السورية التي تدعمها تركيا ، الذي يمكن أن يكون بداية إنطلاق لمرحلة جديدة في سورية بعد نهاية الحروب فيها ، من أجل انطلاق المرحلة السياسية ، ومن ثم إعادة الإعمار .

إرسل لصديق

ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال

ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال
ads
ads
ads