رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

استعادة روسيا مكانتها العالمية

الثلاثاء 19/ديسمبر/2017 - 11:03 ص
استطاعت روسيا تحقيق خطوات كبيرة في سبيل استعادة مكانتها كقوة عالمية ، ودولة ذات وزن وتأثير في القضايا الدولية ، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته روسيا في سورية ، وقيادة الأزمة السورية إلي نهاية باتت وشيكة لصالح حليفها الرئيس بشار الأسد ، الأمر الذي أكد علي عدد من الاعتبارات ، أهمها القوة الروسية الفاعلة في مجريات الأحداث العالمية ، وكذلك الواقعية الروسية في عدم تخليها عن حلفائها مهما كلفها ذلك من تكاليف بشرية واقتصادية علي حد سواء .
لم تعد الولايات المتحدة تستطيع بمفردها أن تطمح إلى أن تكون دولة وحيدة ينساق العالم وراءها ، وذلك بسبب وجود قوة أخرى لا غنى عنها هي روسيا ، التي استطاعت خلال السنوات الأخيرة ن وخاصة منذ وصول الرئيس بوتين إلي السلطة قبل ثمانية عشر عاماً التأثير بشكل كبير في مجريات الأحداث في كثير من القضايا الأكثر تعقيداً وسخونة في العالم ، بل تعدي الأمر ذلك إلي قول البعض أن روسيا استطاعت التأثير علي نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي جرت علي 2016 ، والتي أوصلت الرئيس دونالد ترامب إلي البيت الأبيض .
استطاعت روسيا استعادة مكانتها كقوة عظمى ، كإحدى تلك الدول القليلة التي تحدد هيكلية ومسارات القضايا الدولية ، وجعل موسكو عاصمة لا يمكن حل مشكلة دولية واحدة من دون مشاركتها ، فقد حقق الرئيس بوتين في انجاز هدفه الذي وعد به بأن تستعيد روسيا مكانتها كقوة عظمي تقدماً كبيراً ، رغم ما تعرضت له روسيا من عقبات وصعاب اقتصادية وسياسية كان في مقدمتها خفض أسعار النفط ، والعقوبات الأمريكية والأوروبية التي فرضت عليها في أعقاب استعادة شبه جزيرة القرم من أوكرانيا .
كان قرار الرئيس بوتين الجريء بالتدخل في سوريا عسكرياً بشكل مباشر ، عام 2015 ، ليس لإنقاذ الرئيس بشار الأسد من هزيمة كانت تبدو وشيكة ، ولكن لرؤية أبعد من ذلك ، حيث كانت سورية مرشحة للتفتيت والدخول ضمن الدول الفاشلة التي بدأت من أفغانستان والصومال واليمن وليبيا وغيرهم ، ولذلك فقد كان التدخل الروسي في سورية يرمي إلي أبعد من حماية سلطة الرئيس بشار الأسد ، واستطاعت روسيا تحقيق نصراً حاسماً في سورية ، واستعادة الحكومة السورية السيطرته على معظم أراضي الدولة من الجماعات التي تم تجنيدها لتنفيذ مخطط التقسين والتفتيت ، والآن تقود موسكو الجهد الدبلوماسي الرامي إلى تسوية النزاع السوري ، مع غياب الولايات المتحدة شبه التام عن هذه السياسية ، ورغم أن روسيا غير قادرة حتي الآن على الانفراد في التفاوض حول السلام في سوريا ، إلا أنها سوف تستطيع تحقيق ذلك في المستقبل ، أو علي الأقل تظل علي المحرك الأول والأقوي لأي عملية تفاوض تتم حول الأزمة السورية .
لم تكن الأزمة السورية والتدخل فيها هي المؤشر الوحيد علي النجاح الكبير الذي حققته روسيا في سبيل استعادة مكانتها كقوة عالمية عظمي ، ولكن هناك مؤشرات عديدة أخري ، فالنجاحات المؤكدة للدبلوماسية الروسية في المنطقة دليل آخر علي تلك الخطوات ، حيث أقامت موسكو علاقات قوية وفعالة مع كافة الدول المحورية والقوي الإقليمية في الشرق الأوسط ، يأتي في مقدمتها إيران وتركيا ومصر ، وبدرجة أقل إسرائيل والسعودية ، الأمر الذي مكن موسكو من لعب دور قيادي ، خاصة بعد أن استطاع الرئيس بوتين اكتساب تركيا الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة والغرب ، والعضو الفاعل في حلف شمال الأطلسي وثاني أكبر قوة فيه ، وجعل مصالح أنقرة ترتبط بمصالح موسكو ، كل هذا النجاح الدبلوماسي كان له دوره البارز في بلورة موازين القوى الإقليمية الجديدة ، وجعل السياسيات العالمية غير كاملة بدون روسيا .
ليست سورية وحدها أو حتي منطقة الشرق الوسط هي التي جعلت من روسيا قوة عالمية كبري لها أهميتها علي الساحة الدولية ، ولكن التواجد الروسي علي المسرح الأوروبي كان حاضراً وبقوة ، فقد أظهرت روسيا بتصرفاتها في أوكرانيا أن لديها أداة فعالة ضد توسع الناتو والاتحاد الأوروبي شرقا ، ولم يعد في مقدور هاتين المنظمتين الغربيتين " الناتو ، الاتحاد الأوروبي " أن تمارسا سياساتهما إزاء جيرانهما في الشرقي من دون وضع المصالح الروسية في الحسبان ، خلافاً للفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ، وبداية المرحلة الجديدة في عهد روسيا الاتحادية بعد انفراط العقد السوفيتي إلي خمس عشرة دولة ، فقد استطاعت روسيا أن تجعل تستعيد مكانتها قوة عالمية قادرة علي أن تجعل من المستحيل بناء هياكل الأمن المستدام في أوروبا من دون موسكو ، وأن تمهد لتجعل مصالح أوروبا هي مع روسيا وليست مع الولايات المتحدة ، خاصة بعد العمليات السياسية التي المتخبطة التي تقوم بها الولايات المتحدة منذ وصول الرئيس ترامب إلي السلطة ، والتي تكون في أغلبها ، أي السياسيات الأمريكية ، ضد المصالح الأوروبية ، كمحاولة واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران ، وأخيراً القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونفل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس وساتخدام حق النقض " الفيتو " ضد إرادة المجتمع الدولي في مجلس الأمن ضد قرارات الشرعية الدولية ، التي أقرت بأنه لا يحق لأي دولة في العالم اتخاذ أي خطوات من شأنها تغيير الوضع القانوني لمدينة القدس كأراض محتلة .
يعتبر ملف كوريا الشمالية ، على الرغم من أن روسيا ليست الجهة الوحيدة الفاعلة الرئيسية فيه ، إلا أن علاقات موسكو المتينة مع بيونج يانج تضمن لها دوراً لا غنى عنه في أي تسوية محتملة لهذا الملف ، خاصة مع سخونة ذلك الملف مع زيادة وتيرة التجارب الصاروخية الباليستية لكوريا الشمالية ، الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطلب من موسكو بشكل مباشر التدخل بفاعلية في هذا الملف الذي بات قريباً من تشكيل خطر مباشر علي الولايات المتحدة ذاتها .
السياسات الروسية المتزنة ، والتي تسير بخطي ثابتة نحو تثبيت وجود روسيا كقوة عظمي ، أصحبت تجبر الولايات وحلفائها الغربيين علي عدم تجاهل روسيا أو السعي لعزلها ، وهو ما حاولت فعله خلال السنوات الأخيرة ، الأمر الذي يثبت أن روسيا الان تعمل علي إعادة صياغة عالم جديد ، عالم ليست الولايات المتحدة هي صاحبة الكلمة العليا فيه ، عالم ليس متعدد الأقطاب وحسب ، بل عالم تظهر فيه قوي جديدة هي صاحبة الكلمة العليا فيه ، في مقدمتهم روسيا والصين .

إرسل لصديق

من سيتوج بكأس مصر

من سيتوج بكأس مصر
ads
ads