رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد حسن
أحمد حسن

عنوسة المتزوجات

الثلاثاء 09/يناير/2018 - 07:02 م
"العنوسة".. كلمة لو مُزجت بماء أنهار الأرض مجتمعة لعكرتها، وغيرَّت طعمها إلى ملح أُجاج تأبى النفس البشرية السوية استساغته. ما أخفها على ألسنة قائليها، وأثقلها وطأة وتأثيرًا على أنفس كثير ممن يوصفن بها، ناهيك عن آثارها السلبية التي تُحاط بالأسرة مجتمعة.
نجد في مجتمعاتنا العربية،إذا تجاوزت الفتاة الثلاثين من عمرها، ولم تتوفر لها ظروف الزواج المناسب، فإن جُلّ المجتمع يتبرع بإطلاق هذه اللفظة القاسية عليها، فترى الجيران والأصدقاء يتغامزون ويتنابذون، ويتفوهون بعبارات قاتلة، منها: "إنها جميلة ومثقفة ومتعلمة لكن قطر الزواج فاتها". "مسكينة.. ليه ما اتجوزتش لغاية دلوقتي"، وقد لا يتفوهون بهذه العبارات، لكن نظراتهم المميتة والمعبرة أشد وطئا على نفسها من السم الزعاف المهلِك.
ثرثرة هنا وهناك، نساء ورجال من مختلف الأعمار، ينظرون مثل هذه النظرة لمن تأخر زواجها قليلا أو كثيرا، يحملهم إلى ذلك عادات وتقاليد وثقافات بائدة، أَكَلَ عليها الزمانُ وشرب، مدفوعين بحجج واهية، وهي أنهم يحرصون على مصلحة هذه الفتاة، فتراهم يقابلونها بالسؤال الإجباري الذي لا ينبغي لها أن تمتنع عن إجابته، "إيه ما آنش الأوان؟"، أو بصيغة فكاهية أخرى: "هو الشباب ما بقاش عندهم نظر ولا إيه"، أو بصيغة أكثر شفقة: "ما تزعليش يا بنتي، ربنا شايلك الخير". ولا تخلو هذه العبارات في كثير من الأحوال من مَصْمَصَة للشفاه، وغمز للأعين، مع إشعار الفتاة بأنها فاتها المخلِّص الذي كان من المفترض أن يحول حياتها إلى سعادة أبدية لا تشقى بعدها أبدًا.
والحقيقة أنني أرى أن في مجتمعنا كثيرات ممن يُطْلِقن هذه الكلمة القاسية هن أكثر من تنطبق عليهن صفات العنوسة الحقيقية، فالمرأة التي تعُدُّ الأيام والليالي منتظرة وفاة زوجها الذي سلبها حقها في تكوين شخصية مستقلة يُقدرها الناس ويحترمونها، منعها من زيارة والديها وهما في أشد الحاجة إليها، أهانها أمام الجميع، عاملها وكأنها خادمة تُباع وتُشترى، دون كلمة ثناء أو شكر تُعوِّضها مشقة عملها المتواصل، والعانس الحقيقية هي أيضا الأم التي بلغت من الكِبر عِتيًّا وتركها أولادها وحيدة تتسول سؤالهم وشفقتهم عليها، إلا أن قلوبهم باتت أشد قسوة من الحجارة، وهي أيضا المرأة التي ابتُليت بزوج يسطو على راتبها وينفقه على ملذاته ونزواته دون أدنى اعتبار لذمتها المالية.
أخيرًا.. يتغافل معظمنا أن العنوسة الحقيقية هي عنوسة العقول المتخلقة التي بات لزامًا علينا أن نحاربها ونُجهز عليها، فقد تناسينا أن كثيرات ممن تأخر زواجهن لظروف أو أسباب لا دخلَ لهن فيها، يعشن حياة مستقرة وهادئة وناجحة وأكثر إفادة من غيرهن ممن تزوجت مبكرًا، ولا ينقصهن إلا أن يصمت الجميع من حولهن، وكأن لسان حالهن يقول: "من فضلكم خليكوا في حالكم.. كلامكم يؤلمنا.. ونظرات الشفقة لم نعد نتحملها".

إرسل لصديق

هل توافق على انسحاب تركي ال الشيخ من الاستثمار بالرياضة المصرية

هل توافق على انسحاب تركي ال الشيخ من الاستثمار بالرياضة المصرية
ads
ads
ads
ads