رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد المرشد
أحمد المرشد

متي تمتنع تركيا عن اختلاق الأزمات مع مصر؟

الخميس 15/فبراير/2018 - 06:19 م

جعلتني الأحداث المتلاحقة في الفترة الأخيرة اتقلب بين ما هو محبب الي قلبي وهو الحديث عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم وغيرها من عظماء وطننا العربي الكبير الذين أسعدونا بغنائهم وطربهم، وبين ما هو سياسي. فحديث الذكريات والطرب والحب والعشق ليس مجرد حالة أو فترة تمسك بتلابيب عقل الكاتب، ولكن هذا الحديث يعكس في غالب الأحيان عاطفة أو حنين الي أغاني وقصائد تسللت الي آذاننا ونحن فتيانا وشبانا ورجالا، ومنها تعلمنا بعضا من فنون الحياة.. أما السياسي، فتفرضه الأحداث علينا وأحيانا نتجاوز قضية وأحيانا أخري يصعب المرور بها مرور الكرام دون الخوض فيها. ومن هذه الأحداث، الأزمة التي تسعي تركيا الي تصديرها للشقيقة مصر حاليا بشأن استغلال مياه البحر المتوسط، ومما يؤسف له أن أنقرة أصبحت رغم مكانتها لدينا هل مثل الدول المارقة التي تصدر الأزمات الي جيرانها، فبعد تدخل قواتها المسلحة السافر في مدينة عفرين السورية استغلالا لغياب الدولة السورية علي معظم أراضي البلاد، نراها تمد عضلاتها الي السودان وتحديدا علي البحر الأحمر لتهديد الأمن القومي المصري من الجنوخب، لتثير المخاوف المصرية من نفوذ متزايد لها في الحدود الجنوبية، بعد اتفاق الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان والسوداني عمر البشير في ديسمبر الماضي، لترميم جزيرة سواكن السودانية في البحر الأحمر، فضلا عن توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية بين الجانبين. كما تتعاون تركيا مع إثيوبيا في مشروع سد النهضة بهدف تعطيش المصريين وحرمانهم من مياه نهر النيل الخالد أساس حياتهم ومعيشتهم.
بيد أن كل هذه التصرفات معلومة للقاصي والداني، وكانت القاهرة سباقة الي مواجهة مثل هذه التصرفات الصبيانية بلهجة حادة ربما تجعل القائمين علي الحكم في تركيا يراجعون سياساتهم وتصرفاتهم حيال سوريا ومصر وغيرها من بلدان الوطن العربي. وقد نضيف هنا أزمة ستواجه تركيا قريبا بعد إعلان مقتل ضابط تركي في قطر بسبب ظهور نزعة مناهضة بين القطريين للوجود العسكري التركي علي أراضيهم باعتباره وجود عسكري غير مرغوب فيه.
نتذكر جميعا أنه بعد ثورة المصريين في 30 يونيو 2013، انحاز رجب طيب أردوغان الي صف جماعة الإخوان الإرهابية، واتخذ مواقف غاية في التشدد والصلف حيال الحكم الجديد في مصر الذي أعاد للمصريين ثقتهم في أنفسهم ليتغلبوا علي الجماعة التي حاولت اختطاف البلاد من معظم الشعب المعتدل ليحولوا مصر الي دول فاشلة. ولا تزال تركيا تسير في غيها القديم وأخيرا اصطنعت أزمة مع مصر بشأن حقول الغاز الضخمة التي بدأت الإنتاج قبالة ساحل البحر المتوسط والمعروفة باسم "ظهر"، والمثير للدهشة أن هذه الحقول اكتشفتها الشركة الإيطالية قبل أكثر من عامين ولم تنبس تركيا ببنت شفة حيال هذا الموضوع، ثم سرعان ما نراها تختلق أزمة بشأن بدء الانتاج، بصورة تعكس مدي حقدها علي المصريين في أن يعيشوا في حالة اكتفاء ذاتي من الغاز الطبيعي ليعوضوا بعضا مما فاتهم في فوضي ما بعد أحداث 25 يناير 2011.
من الواضح أن المسألة أكبر من حقد، بل تصل الي حد الهوس بالسيطرة علي امكانيات البحر المتوسط من نفط وغاز، لأن تركيا لم تنتظر كثيرا بعد أزمتها مع مصر حتي افتعلت أزمة أخري مع قبرص واتخذت خطوة تصعيدية حيال نيقوسيا، وبلغ الأمر مداه بتبني تركيا إجراءات عسكرية حيث اعترضت قطع بحرية تركية سفينة حفر تابعة لشركة "إيني" الإيطالية كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف أخيرا في المياه القبرصية، ولم تكتف تركيا بذلك التدخل السافر في شؤون الآخرين والاعتداء علي مياه إقليمية لدولة عضو في الأمم المتحدة، بل هددت بالقيام بكل الخطوات اللازمة من أجل الحفاظ على حقوق تركيا والقبارصة الأتراك ومنع اتخاذ خطوات أحادية في شرق البحر المتوسط. وتدعي تركيا أن لهاحقوقا في هذه المنطقة البحرية وأنه يجب علي قبرص مراجعة أنقرة قبل التنقيب عن الغاز تحت زعم "أن هذا الأمر غير مقبول من جانب تركيا وأن موارد المنطقة ليست حصرا علي قبرص وحدها". ولم يكن وصف قبرص لما قامت به تركيا سوي أنه عمل من أعمال القرصنة التي تهدد سيادة الدول، خاصة وأنه يبدو أن تركيا لم تحسب مسألة عضوية قبرص بالاتحاد الأوروبي وأن الشركة التي تم منعها من التنقيب هي شركة إيطالية، بما قد يستدعي إجراءات عقابية قوية من الاتحاد الأوروبي.
نفس الموقف ربما بحذافيره افتعلته تركيا الأسبوع قبل الماضي حينما استفزت مصربإعلانها أنها تخطط للبدء في التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط قريبا وأنها لا تعترف باتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص عام 2014. ولكن القاهرة لم تقف عاجزة أمام الصلف التركي وردت بحدة بالغة وحذرت أنقرة من "محاولة المساس بسيادة مصر على المنطقة الاقتصادية الخاصة بها في شرق المتوسط". وكان بيان الخارجية المصرية قويا للغاية ردا علي تصريحات وزير خارجية تركيا، مولود جاويش أوغلو، بشأن عدم اعتراف تركيا بالاتفاق المبرم بين مصر وقبرص عام 2014 بترسيم الحدود البحرية بين البلدين للاستفادة من المصادر الطبيعية في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين في شرق البحر المتوسط. وأعلنت مصر بثقة تصل الي الحدة والتهديد أنه لا يمكن لأي طرف أن ينازع قانونية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص ، حيث إنها تتسق وقواعد القانون الدولي وتم إيداعها كاتفاقية دولية في الأمم المتحدة. كما حذرت مصر من أي محاولة لـلمساس أو الانتقاص من حقوق مصر السيادية في تلك المنطقة، مؤكدة أن تصريح وزير الخارجية التركي "أمرا مرفوضا وسيتم التصدي له".
وإذا كان المجال لا يسمح بسرد الدفوع القانونية التي ينبني عليها الموقف المصري الصارم تجاه أنقرة، فثمة سؤال يطرحه الموقف الراهن من جراء التصرفات التركية الشاذة في المنطقة، خاصة بعد أن طفت على السطح من جديد التجاذبات التركية - المصرية، واعتزام أنقرة بدء عمليات البحث عن مصادر الطاقة في المنطقة، وهو "لماذا الاستفزاز التركي لمصر حاليا؟.. وهل التصريحات الرسمية التركية تعد استمرارا لاستعداء مصر من قبل الرئيس التركي؟". أما الإجابة فهي غاية في البساطة، فثمة محاولات تقودها تركيا ودول أخري لدفع مصر لمواجهة واختلاق أزمات، في حين أن الاتفاقيات المصرية بشأن الحدود تحميها قواعد القانون الدولي، ولكن الأمر المهم في الموضوع أيضا أن مصر ستواصل الاكتشافات الخاصة بالغاز في البحر المتوسط، وستتجنب أي محاولات لتعطيل حركة النمو والعمران. كما أن تركيا تسعي لنكران دور مصر أو تهميشه خاصة بعد تحقيق القاهرة مكاسب سياسية واقتصادية في منطقة شرق المتوسط عن طريق خلق علاقات دائمة وحيوية مع كل من اليونان وقبرص، متجاهلة بذلك الرفض التركي للاعتراف بحقوق قبرص في خط المياه البحري للأخيرة. فمصر نجحت في جذب استثمارات أجنبية ضخمة بعد أن وفرت المناخ الجاذب للاستثمار وتشجيع شركات دولية، مثل إيني الإيطالية، للعمل في المياه الإقليمية، ولن تتراجع القاهرة عن هذه المكاسب الاستراتيجية، خاصة في ظل تطوير مصر أسطولها البحري والحصول علي فرقاطات عسكرية غاية في التقدم ستكمنها من فرض سيادتها على تلك المناطق المحيطة بالاكتشافات الحالية والمستقبلية.
واعتقد أن الرسالة المصرية بلغت الأتراك، والذين يعلمون حدود القوة بين القاهرة وأنقرة نتيجة التطور العسكري الشامل للجيش المصري علي كافة الأوجه، ونتمني ألا تشهد الأمور مزيدا من التصعيد بين البلدين، خاصة وأن حقوق مصر محفوظة بموجب القانون الدولي، بينما كان وزير الخارجية التركي يوجه رسائله إلى مواطنيه في الداخل لاعتبارات تتعلق بالسياسة الخارجية، ومحاولة صرف النظر عن التحركات في الملف السوري الذي يواجه بانتقادات عربية وأوروبية ودولية، حتي في الداخل التركي.
ويبدو أن النظام التركي اعتاد في الفترة الأخيرة اختلاق الأزمات مع الدول المحيطة أو الإقليمية، فكانت معركة عفرين عنوانا للتدخل العسكري السافر في دولة جارة ولكن يبدو أن النتائج ستكون وخيمة وغير متوقعة من قبل أنقرة، فالقوات التركية شعرت بالذل علي أيدي أكراد سوريا الذين أصابوا الهيبة العسكرية التركية فى مقتل مما وضع سمعة تركيا على المحك، فما كان من أنقرة سوي الرد بعنف بلغ حد الهمجية. وتبدو في الأفق أن كافة الخيارات التركية سيئة سواء علي المدي القريب أو البعيد، فأزماتها غير المبررة ضد مصر مصيرها الفشل وسترد بنتائج وخيمة علي أنقرة، كما أن أزماتها المتكررة مع الدول الأوروبية مثل فرنسا لا تنتهي، حتي تردد مؤخرا أن رجب طيب أردوغان أًصبح يشتري العلاقات مع الدول الأخري بـ"المال" فيعزز علاقاته مع موسكو بشراء السلاح الروسي ويقترب من الفاتيكان بتبرع قيمته 5 ملايين دولار من أموال الشعب التركي، ناهيك عن أزمات أردوغان الداخلية حيث تتفاقم الخلافات بينه وبين أركان المعارضة والجيش والقضاء وكافة المؤسسات التركية علي خلفية اعتقالات ما بعد الانقلاب الفاشل في يوليو الماضي واتهامه حركة فتح الله جولن بتدبيرها.
وختاما، تنتابني هواجس بأن تركيا تقوم بدور اللاعب البديل للولايات المتحدة، وربما تقوم بكل هذه الألاعيب لمصلحة واشنطن التي تحركها من خلف الكواليس، فتاريخ تركيا يؤكد لنا حرصها علي لعب هذا الدور لمصلحة سكان البيت الأبيض، ففي الماضي اعتقدت أن واشنطن ستكافأها حال قيامها بدور الشرطي الوكيل أو مفتعل الأزمات بالمنطقة، بالضغط علي الاتحاد الأوروبي لقبولها عضوا به. وتمتد هواجسي الي أن تركيا تسعي لزعزعة الاستقرار في مصر خدمة لهدف أمريكي أكبر وهو الضغط علي القيادة المصرية لتوطين الفلسطينيين في سيناء تحقيقا للهدف الإسرائيلي بالتخلص من القضية الفلسطينية تماما في إطار صفقة القرن التي يتردد صداها. فالأتراك أداة سهلة في أيدي الأمريكيين، تأمرهم واشنطن بافتعال الأزمات مع مصر في البحر الأحمر عبر إثيوبيا والسودان والصومال، ثم أزمة انتاج حقل ظهر، ولكن في النهاية يحدونا الأمل أن تتوقف تركيا عن مثل الألاعيب واختلاق الأزمات حتي لا تتطور الأمور الي مواجهة عسكرية ندعو الله أن يجنب مصر مخاطرها رغم أنها مستعدة لها، وكفي تركيا مشكلاتها الداخلية والأوروبية والدولية، ولكن ماذا عسانا نفعل مع نظام لا يجد ذاته سوي في افتعال المشكلات مع الآخرين حتي يشغل مواطنيه بهموم خارجية لكي ينسوا هموهم.

إرسل لصديق

ads
ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال

ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال
ads
ads
ads
ads