رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

تجربة الديمقراطية الشعبية في إندونيسيا

الإثنين 26/فبراير/2018 - 09:14 م

تستعد إندونيسيا لإجراء جولة ثالثة من الانتخابات المحلية في عدد من مناطق البلاد ، والتي بلغ عددها 172 محافظة ومنطقة محلية ، لم تشهد انتخابات حتي الآن ، بعد الانتخابات الإقليمية والمحلية الأخيرة التي جرت في 101 من المحافظات والمناطق المحلية المختلفة ومن بينها العاصمة جاكرتا في الخامس عشر من فبراير 2017 ، والتي جاءت كمرحلة ثانية بعد المرحلة الأولي التي جرت في ديسمبر 2015 ، والتي شملت 269 محافظة ومنطقة محلية .
تمثل الانتخابات البلدية والمحلية في إندونيسيا أهمية كبري في عملية التحول الديمقراطي التي تشهدها البلاد منذ الإطاحة بنظام الرئيس سوهارتو في مايو عام 1998 ، حيث تتميز - إن شئنا أن نطلق عليها المدرسة الإندونيسية في الديمقراطية - بعدد من السمات الفريدة التي تتوافر في غيرها من المدارس الديمقراطية العريقة .
لعل أهم مميزات الانتخابات المحلية الاندونيسية ، اعتمادها علي القاعدة الشعبية العريضة ، ومن ثم فإنها تأتي من قاعدة الهرم الديمقراطي ، وليس من رأس الهرم ، فإذا كانت الديمقراطيات العريقة تعتمد علي أفكار ونظريات السياسيين والمفكرين ، وتبدأ من المستويات السياسية العليا ، حيث تبدأ من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ، حتي تصل إلي الانتخابات المحلية والبلدية ، إلا أن الديمقراطية الإندونيسية تأتي بعكس تلك النظرية .
وقد يكون لتلك السمة ما يفسرها في الحالة الإندونيسية ، حيث أن سنوات الاستبداد الطويلة التي عاشتها البلاد ، قد عملت علي تراكم ما يمكن أن نطلق عليه الأمية السياسية ، أو الأمية الديمقراطية ، التي حرمت المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية في التعبير واختيار ممثليهم في كافة المستويات البلدية والمحلية والبرلمانية والرئاسية ، ومن ثم تأتي الانتخابات المحلية والبلدية في إندونيسيا لمحو تلك الأمية السياسية والديمقراطية ، وإعادة تأهيل المواطنين علي ممارسة حقوقهم السياسية بكل حرية ، وفق الشروط التي تقتضيها العملية الديمقراطية وهي الاحترام المتبادل بين كافة المرشحين والناخبين ، ومن ثم تعتبر هذه الانتخابات مدرسة شعبية يتعلم فيها الشعب الممارسة السياسية الصحيحة .
قد جاءت الانتخابات المحلية الإندونيسية علي مراحل ثلاث ، بمعدل مرحلة كل عام ، تشمل كل مرحلة عدد معين من المناطق والمحافظات وفق ما تسمح به الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كل محافظة ومنطقة إقليمية لإجراء تلك الانتخابات ، أي بعد تهيئة كافة الظروف التي من شأنها المساعدة علي نجاح تلك الانتخابات ، خاصة أن المناطق والمحافظات تتمتع بكشل كبير من الحكم الذاتي ، ومن ثم فإن كل منطقة ومحافظة تعتمد علي موادرها الخاصة بها ، كما تلعب العادات والتقاليد الاجتماعية دوراً هاماً في تهئية الظروف لنجاح الانتخابات ، وهو ما استدعي تلك الفترة الزمنية نسبياً لإتمام الانتخابات المحلية ، قبل أن يتم إجراء أول انتخابات إقليمية ومحلية شاملة في كل أنحاء إندونيسيا عام ٢٠٢٤ ، أي أن تلك الانتخابات هي الانتخابات التمهيدية أو الابتدائية للممارسة السياسية والديمقراطية الشاملة في البلاد .
علي الرغم مما تتمتع به المناطق والمحافظات من صلاحيات كبيرة علي مستوي القرارات المحلية ، إلا أن هذه الانتخابات في مرحلتيها السابقتين تميزت بالهدوء والبعد عن العصبية ، والضغوط النفسية علي المرشحين والناخبين ، مما أضفي علي هذه الانتخابات الطابع الاحتفالي بالعرس الديمقراطي الذي تشهده البلاد ، أو بالأحري المناطق التي تشهدها الانتخابات ، فالروح المعنوية والاحساس بأهمية الانتخابات ، واعتزاز كل ناخب بصوته وشعوره بأهمية هذا الصوت الانتخابي ، كلها عوامل ساهمت في تحقيق تلك الانتخابات أهدافها المرجوة في صناعة حياة سياسية وديمقراطية راقية في تلك البلاد ، تفوقت عن غيرها في كثير من الدول الغربية ذات التاريخ العريق في الديمقراطية .
من السمات المميزة للتجربة الديمقراطية الإندونيسية ، أنها تجربة محلية أو تجربة وطنية ، أي أنها لم تستنسخ تجارب ديمقراطية أخري ، فهي تجربة تعتمد علي واقع المجتمع وظروفه المختلفة ، ولا ترتبط بفلسفة الأنماط الدستورية التي يصعب علي المواطن فهمها كما في الدول الأخري ، ولا بالقوانين الجامدة التي يصعب تطبيقها سواء من قبل السلطان أو من قبل المواطنين ، أو يحتاج تطبيقها إلي موارد وطاقات ترهق كاهل موازنة الدولة والمواطن معاً ، أو يحتاج تطبيقها إلي تغيير أنماط اجتماعية وعادات وتقاليد وثقافات وسلوكيات المجتمع المحلية التي اعتادها .
لعل السبب في اتباع سبيل التدرج في عملية التحول السياسي والديمقراطي هي طبيعة المجتمع الإندونيسي ، الذي يتكون من فسيفساء فريد من القوميات الإثنية والعرقية والدينية يزيد عددها عن 300 مجموعة إثنية وعرقية ، يتحدثون بأكثر من 70 لغة ولهجة محلية ، ويعتقدون بمعتقدات عديدة سماوية وغير سماوية يأتي في مقدمتها الإسلام الذين يدين به أغلب الشعب الإندونيسي ، مع وجود الديانتين المسيحية واليهودية ، إلي جانب الكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية وغيرها ، وكل هذا الخليط من القوميات والثقافات والمعتقدات يتطلب حواراً ونقاشاً هادئاً ، يراعي خصوصيات كل هذا الخليط الثقافي للشعب الإندونيسي ، وعدم خروج عملية التحول السياسي واليمقراطي عن مسارها باتجاه ديني أو قومي أو عرقي ، وهذا ما ساعد علي نجاح المرحلتين الأولي والثانية من الانتخابات المحلية ، وجعل كل شعب إندونيسيا علي مختلف توجهاتهم يقبلون علي تلك الانتخابات بكل اهتمام ، لأنها انتخابات لمواطني إندونيسيا ، ذلك الوطن الذي يجمعهم جميعاً تحت راية واحدة .
تجني إندونيسيا نتائج تحولها الديمقراطي الهادئ بعد ثمانية عشر عاماً من الإطاحة بنظام سوهارتو ، حيث تتسم عملية التحول الديمقراطي بالهدوء ، بعكس ما تتسم به الثورات من التحول الثوري السريع والقوي والعنيف ، وذلك ما يعبر عنه الإندونيسيين دائما بأنه " إصلاح " ، ويرفضون استخدام مصطلح " ثورة " ، وهذا ما يفسر عملية التحول البطئ الذي سارت عليه إندونيسيا في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي ، فإذا كانت الثورات بطبيعتها تقوم علي هدم كل أركان النظام القديم ، وإقامة بناء جديد علي أسس جديدة ، فإن عملية التحول في إندونيسيا ترفض هدم كل أركان النظام القديم ، بل تعتمد سياسة التغيير فقط لما هو قائم ولا يتماشي مع عملية الإصلاح والتحديث ، والإبقاء علي ما يمكن إصلاحه وتطويعه للمرحلة الجديدة في البلاد .
يمكن القول أن إندونيسيا وضعت نظرية جديدة في التحول السياسي والديمقراطي ، إذا صح القول أن نطلق عليها " الديمقراطية الشعبية " خلافاً للديمقراطية النظرية الأكاديمية المتبعة في الغرب ، والتي تعتمد علي البناء الديمقراطي من القمة ، أي من خلال النخب المثقفة التي تتولي الترويج لأفكارها الأكاديمية والفلسفية ، والتي لا يستوعبها الكثيرين من باقي الفئات الشعبية وخاصة في المجتمعات الأقل تعليماً وأقل دخلاً أو تعيش في مستويات اجتماعية متدنية ، أو إذا نجحت تلك التجربة للديمقراطية فإنها لا تصلح للتطبيق في كل المجتمعات ، ولكن يحتاج نجاحها إلي مجتمعات يكون فيها المستوي العلمي والثقافي والاجتماعي قد حقق خطوات كبيرة في نحو التقدم والازدهار .
أما النموذج الإندونيسي " الديمقراطية الشعبية " ، فهو يمثل النموذج الأمثل للمجتمعات النامية ودول العالم الثالث ، التي تسعي لأن يكون التحول السياسي قريناً ومرافقاً للتحول والتطور الاقتصادي والاجتماعي في هذه البلاد ، حيث تعد عملية الإصلاح شاملة لا يمكن التحرك في مسار واحد منفصل عن المسارات الأخري ، ولذلك كان لابد من اختيار النموذج الذي يتناسب مع البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع ، حيث أن قبول المجتمع لأي عملية تحول تظل هي المعيار الأساسي لنجاح ذلك التحول .

إرسل لصديق

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري
ads
ads