رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
نور الهدى فؤاد
نور الهدى فؤاد

مساكين النبي

الجمعة 02/مارس/2018 - 08:21 م
كنت دوما أفكر، لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، يدعو الدعاء الشهير"اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين" فكان أول تفسير لعقلي، بسبب المقام الكبير للمساكين عند الله وفي الجنة، ولكن بعد تأمل طويل، وجدت أن للدعاء أبعاد أكثر عمقا..
فمن هم المساكين في نظرنا؟ المساكين هم المستضعفين، قليلي الحيلة، المستهان بحقوقهم، المفعول بهم كل أشكال الظلم والأذى، المنتهكين، مستحقي الرحمة والعون.. هل يعقل ان يتمنى سيدنا النبي الذي اذا سأل ما يشاء من الدنيا أستجيب له ان يكون على تلك الحالة، هل في الأمر ذهدا في الدنيا وما فيها وهو الداعي أيضا "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار"، لا أظن ذلك..
الحقيقة أن من نسميهم مساكين، هم الأقوياء القادرون، هم أولي اليقين والثقة في الله فقط، كل هؤلاء المستضعفين أبوا ان يسلكوا طرق العلو والنجاح المزيف، فالحق أفضل من كذب ونفاق يلقى استحسان الأخرين والجوع والاحتياج أفضل من السرقة والرشوة والفشل والخسارة أفضل من الخداع والظلم، وجميعها أسباب كفيلة بجعل أقل مسكينا ان تنتفي عنه تلك الصفة..
المساكين هم المتعالون على شهوات النفوذ والقوة والسلطة والمال والإعجاب والمدح والعيش المرفه والنجاح والتفوق، إلا اذا اتتهم طواعية عن أحقية وجدارة، لانهم يعرفون أنها لا شيء، يدركون معنى انها متاع الغرور ولا تساوي جناح بعوضه، فاذا اتتهم من فضل الله وتدبيره قبلوها، واذا اتتهم من فضل الناس ومنة منهم رفضوها.
المساكين هم من نظنهم ساذجون وأغبياء، ينتظرون الرزق من الرازق فقط، لا يشتهون فتات يلقيه لهم رئيسهم في العمل بعد ان يكونوا له عينه التي تبصر واذنه التي تسمع ويده التي تبطش، لا يلهثون خلف كراسي ومكاتب فخمة ومرتبات مرتفعة وهم في قرارة انفسهم يعلمون انهم لا يستحقونها، لا ينظرون بحقد وحسد لما وهب الله غيرهم من النعمة، لا يضطرون لإظهار المحبة الكاذبة حتى يخفون أطماعهم ونقمهم على أرزاقهم، ويحاربون كل ذلك في أنفسهم قبل أن يحاربوه كأفعال ومقاومة، حتى يغلقوا على قلوبهم منافذ الكذب والنفاق والفخر والتباهي والعجب والرياء.
المساكين مؤمنون بالآية الكريمة "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" ويقفزون هربا من كل ما يدفعهم لقول "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" فلا حاجة لهم بما يتكبده الأخرون من أجل زوائل مادية فارغة يتعالون بها، ولا رغبة لهم في ان يكونوا أفضل من أحد ولا ينشغلون بمن يمكن اعتبارهم أفضل منهم، ولا يعنيهم سباقات اللهث خلف الأفضليات الوهمية، لأن كل ما يفعلوه يقدموه لله وليس لأنفسهم، يتعبون من أجله ويعملون من أجله ويكسبون من أجله ويخسرون من أجله، بل أن أحدهم يدب في قلبه الخوف والرعب، إذا أتته الدنيا طواعية بمنصب أو بمال، ليس إلا خوفا على نفسه من الفتنة.
المساكين يخافون أن يظلموا أحدا ولو بالظن السيء فقط، فيحسنون الظن حد تحمل ما لا يحتمل، المساكين هم وحدهم القادرون على قول الدعاء "رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" بكل تصالح مع الذات وبلا تعالي على طبيعتهم، لأنهم يكرهون فعل الظلم سواء كانوا فاعلين او مفعول بهم، يكرهون ان يكونوا اختبار وفتنة لغيرهم، بل ويكرهون ان يقعوا في فتنة الغضب والانتقام وتؤنبهم نفوسهم إذا لم تقوى قلوبهم على التسامح.
المساكين هم المحبون الشغوفون للخسائر والهزائم التي تحجب عنهم غضب الله وتمنحهم رضاه، المساكين هم المتلذذون في الدنيا بالمتع المعنوية كالحق والصدق والتغاضي والتسامي والاستغناء بالله والحياء والأمانة وإنكار الذات والتماس الأعزار والاعتزاز بنعم الله وان قلت، وصفاء النفس، وراحة الضمير، والبساطة، المساكين هم الواقفون امام زواتهم في المرآة بكل رضا ويقين، وإنها متعة والله لو يعلمها الظالمون، لبارزوهم عليها بالسيوف.
المساكين هم فقط القادرون على نصحك بكل حب بلا هدف، ويقدرون مشاعرك بلا سبب، ويستحسنون حسنك ويستسئون سيئك بكل صدق وبلا غرض، ويحترمونك ويعطونك حق قدرك بلا اعتبارات، المساكين فقط هم من سيتمنون لك كل ما يتمنوه لأنفسهم، ليس من أجلك بالطبع، ولكن طمعا فيما سيهديهم الله في المقابل، طمعا في عطايا الله.
حتى أولائك المساكين بغير إرادتهم، حباهم الله حبا وصل الى حرمانهم من كل تلك الفتن، فوفر عليهم عناء الاختبار والاختيار وحيرته الطويلة، كأبناء الريف الأصليين أو المرضى وفاقدي الأهلية أو أبناء الكهوف والجبال وغير ذلك من مقدرات الله في خلقه.
فكانت دعوة النبي التي علينا إقتادئه بها، معنى قوي ومركز وشامل لكل تلك الأفكار، التي تستحسن الضعف الظاهري لغائبي البصيرة على القوة الوهمية التي يعتز بها محدودي البصر، فكانت لهم مسكنة وأصحابها مساكين، فما أحب تلك المسكنة العظيمة القوية؟ وما أبغض الضعف والوهن المستتر في صورة قوة وسيطرة وتحكم واستباحة وطمع وشر..
وفي اعتقادي.. أن كل هؤلاء الذين نظنهم أشرار، ما هم إلا ضعفاء جدا، يستحقون الشفقة، استسلموا لفقاعات الدنيا البراقة وصورها المزيفة حتى أعمتهم، وفشلوا في اختبار الحياة القاسي الذي هو أهم أهداف الوجود البشري على الأرض فطمعوا في المتاع اللحظي القصير وبزلوا من أجله الكثير والكثير مرتكنين الى رحمة الله عليهم دون سعي او تحمل او مكابدة واستغناء فطمعوا كذلك فيما عند الله وغرهم بالله الغرور..
يتثبتون بضعف بعضهم البعض، حتى يستطيعوا اكتمال المسير دون ان يضطرهم صوتا بالحق على الالتفات للحقيقة ومواجهة انفسهم بها، سيخرسوه وينهالوا عليه طعنا وزما واتهاما وتشكيكا، سينبذونه حتى يخرس، سيتجمعون حوله متحدين على قلب رجل واحد يسفقون ويصفرون، حتى يختفي صوته ولا يبقي الا صوتهم المتحد العالي القوي الواضح، تماما كما كان يفعل كفار قريش حول الكعبة ليمنعوا القلة المسلمة من الصلاة او قراءة القرآن..
فمن هم المساكين حقا ومن هم المساكين ظاهريا فقط...
اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين.. آمين.

إرسل لصديق

من سيتوج بكأس مصر

من سيتوج بكأس مصر
ads
ads