رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

العدالة لضحايا مذبحة " ماي لاي " فيتنام

الجمعة 23/مارس/2018 - 08:51 م
تعتبر مجزرة " مي لاي " من الجرائم التي تصنف وفق القانون الدولي علي أنها جرائم حرب ، فقد وقعت تلك المجزرة خلال حرب فيتنام على أيدي الجنود الأمريكيين ، حيث كان للصور التي تم التقاطها لتلك المجزرة ردود فعل واسعة النطاق نظراً لبشاعة تلك الجريمة ، خاصة وأن مرتكبي الجريمة لم ينالوا عقابهم ، ولم يتم تعويض أهالي الضحايا مادياً أو معنوياً ، والأهم من كل ذلك أن من ارتكب تلك المجزرة هلي الدولة التي تدعي أنها راعية العدالة والديمقراطية في العالم !
ترجع أحداث مجزرة " مي لاي " إلي صبيحة يوم السادس عشر من مارس عام 1968 ، وذلك عندما قام الملازم ويليام كايلي وزملاءه من الجنود الأمريكيين بفرض طوق أمني عسكري علي القرية الواقعة في إقليك إقليم كوانج نجاي ، ثم قاموا بجمع أهالي القرية من القرويين العزل ، وأمر الملازم الأمريكي جنوده بإضرام النار في بيوتهم وقتل كافة السكان المدنيين ، معظمهم من النساء والاطفال ، حيث استمر الجنود في عمليات القتل والترويع للسكان المدنيين دون توقف ، لولا تحليق إثنان الطيارين الأمريكيين فوق المنطقة ، فتدخلا إيقاف تلك الأعمال الوحشية .
وإلى اليوم ما زال عدد ضحايا تلك المجزرة غير معروف علي وجه الدقة ، ولكن حسب التقديرات فإن أعداد القتلي يتراوح ما بين 300 إلى 500 شخص ، لكن النصب التذكاري الذي خلد هذه المجزرة يشير إلى 504 شخص ، تتراوح أعمارهم ما بين أطفال في عمر عام واحد إلي شيوح في عمر 82 عاماً .
في 12 نوفمبر 1969 ، أعلن الجيش الأمريكي أنه فتح تحقيقاً مع الضابط وليام كيلي الذي قاد السرية العسكرية الأمريكية التي نفذت المذبحة البشرية ضد سكان قرية " ماي لي " ، وقد حاولت الولايات المتحدة التستر علي جريمتها ، ولكن الصحفي الأمريكي سيمون هيرش كشف عن تلك الجريمة ، ليفجر فضيحة مدوية ، ورغم أن وسائل الإعلام في ستينيات القرن الماضي ، لم تكن متطورة مثلما عليه في الوقت الحالي ، إلا أن حرب فيتنام كانت تشغل اهتمام الرأي العالمي في كل مكان ، نظراً للهمجية التي كانت تقوم بها القوات الأمريكية ضد السكان المدنيين في فيتنام .
حسب ما تذكره المصادر الأمريكية ، أن الجنود الأمريكيين ، قتلوا أبناء القرية ، وذبحوا الماشية ، وألقوا بجثث الموتي بآبار مياه الشرب ، ليتم تسميمها ، ولأنهم يعلمون أنها جريمة بشعة ، فقد تم التكتم عليها ، إلا أن المصادفة والبحث عن الحقيقة ، وحقيقة الصراعات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، ولأسباب انتخابية ، تم الكشف عن هذه الجريمة .
أدانت محكمة عسكرية أمريكية في ذلك الوقت ، الملازم ويليام كايلي ، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة ، إلا أنه لم يمكث في السجن ، حيث منحه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عفواً رئاسياً خاصاً ، الأمر الذي يعد استخفافاً بالعدالة ، وبدماء الضحايا الفيتناميين الأبرياء الذين لقوا مصيرهم علي أيدي جنود غزاة تدعي بلدهم أنها حامية للعدالة والديمقراطية في العالم .
وقال أنصار حقوق الإنسان في أعقاب صدور العفو الرئاسي عنه ، إن هذا العفو يؤكد أن ما فعله الرجل في قرية " ماي لي " هو اعتداء على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وتتحمل الولايات المتحدة مسئولية ذلك العمل بالكامل ، وأن المحاكمة والحديث عن العقوبة القاسية لم يكن أكثر من تمثيلية للتغطية على فضيحة الجيش الأمريكي ، الذي لا يعرف إلا الهمجية والإجرام ، وقد تأكد ذلك في كل تدخلات الولايات المتحدة العسكرية في العديد من الدول ، سواء في أفغانستان أو العراق وغيرها .
بدا أن الجنود الأمريكيين أشبه بأشخاص متعطشين إلى الدماء في مذبحة همجية ، ولذلك فقد فجر الكشف عن مذبحة " ماي لاي " غضباً عارماً في أنحاء الولايات المتحدة والعالم . وتمثل مذبحة " ماي لاي " بالنسبة لجيل كامل من الأمريكيين والأوروبيين والآسيويين نموذج الوجه الأمريكي القبيح ، حيث كتبت مجلة " تايم " : يتحمل الضمير الأمريكي وضمير الأمريكيين وطأة الإحساس الثقيل بالذنب عما حدث في " ماي لاي " أمر لا مفر منه .
وقد شهد خريف عام 1969 مظاهرات احتجاجية ضخمة بمشاركة ملايين المواطنين من ساحل المحيط الأطلسي إلى ساحل المحيط الهادي ، بما في ذلك أكثر من ربع مليون متظاهر في العاصمة واشنطن في أكبر احتجاج على الحرب في التاريخ الأمريكي . لكن الأمر تطلب ست سنوات أخرى قبل أن يفر الأمريكيون أخيراً في هلع من سايجون على متن مروحيات من على أسطح ثكنات السفارة الأمريكية في أبريل 1975 .
لقد وقعت الولايات المتحدة " القوة العظمي " في مستنقع الهزيمة والخزي والعار ، وهزمت في حرب عصابات على أيدي الفيتناميين المسلحين بالعزة والوطنية والكرامة ، ولذلك بلغ عدد ضحايا الحرب التي امتدت عشر سنوات من الجانب الأمريكي 58 ألفاً .
لقد كان القرن العشرين أكثر القرون دموية في التاريخ الإنساني كله ، حيث قتل 160 مليون شخص في صراعات مختلفة خلال هذا القرن ، وإذا كنا لا نريد أن لا يكون القرن الحادي والعشرين كسابقه ، فعلينا أن نتعلم من أخطائنا في القرن الماضي ، وعلينا قبل كل شئ تحقيق العدالة ، فلقد كانت مذبحة " ماي لاي " واحدة من تلك الأخطاء ، والتي مازالت جراحها لم تندمل حتى الآن ، لأن القتلي مازالوا هاربين من العدالة ، ومازال أهالي الضحايا يعانون من غياب تلك العدالة ، فإذا كانت الولايات المتحدة التي تتحدث عن قيم العدالة والحرية والساواة ، فعليها التكقير عن ذنوبها أولا ، وتقديم من اقترفوا مثل تلك الجرائم للعدالة ، ومنح أهالي الضحايا التعويضات الملائمة عن فقدان ذويهم .
تعد مذبحة " ماي لاي " واحدة من مجازر عديدة ارتكبتها القوات الأمريكية خلال عدوانها علي فيتنام ، وأن استمرار انكار تلك المجازر ، أو عدم الاعتراف لها وتقديم اعتذار لأهالي الضحايا عن هذه الجريمة وغيرها ، قد جشع الجنود الأمريكيين علي ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الانسانية سواء في أفغانستان أو في العراق وغيرها من مناطق العالم المختلفة حيث تعيث الولايات المتحدة فساداً فتقتل دون مراعاة لأي اعتبارات إنسانية أو قانونية ، طالما أن الولايات المتحدة قد ارتكبت الكثير من الجرائم دون أي حساب أو عقاب قبل ذلك ، وهذا ما يؤدي إلي انتشار أعمال الارهاب والتطرف ، حيث تسعي بعض الجماعات للانتقام من المعتدين الذين لا يخضعون لأي مساءلة ، ومن ثم تزداد الفوضي وتفشي الجرائم بغياب العدالة ، وخاصة من الدولة الكبري التي من المفترض أن تكون قدوة في تطبيق القانون وتحقيق العدالة في العالم .

إرسل لصديق

من سيتوج بكأس مصر

من سيتوج بكأس مصر
ads
ads