رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

قراءة في نتائج الانتخابات الماليزية

الأحد 13/مايو/2018 - 02:31 م
كانت ماليزيا علي موعد مع الانتخابات العامة في البلاد يوم 9 مايو 2018 ، وعلي غير العادة للانتخابات السابقة كانت تلك الانتخابات لها أهمية كبيرة ، ليس علي مستوي ماليزيا وحسب بل علي مستوي منطقة آسيان ، إن لم تكن علي مستوي العالم ، وذلك لعدد من الاعتبارات منها ، أن هذه الانتخابات شهدت انقلاباً في التحالفات بين الأحزاب والقوي السياسية الماليزية المختلفة ، وعودة رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد إلي الحياة السياسية مرة أخري بعد اعتزاله العمل السياسي ، وشكلت عودته إنقلاباً علي التحالف الحاكم الذي يتزعمه من قبل لأكثر من 22 عاماً وقيادة المعارضة ضده واخراجه من السلطة بعد ظل مهيمناً عليها منذ استقلال البلاد عن الاحتلال البريطاني عام 1957 . 
تنافس في انتخابات ماليزيا العامة ثلاث قوي سياسية رئيسية هي ، تحالف الجبهة الوطنية الحالكم " باريسان " والذي يتزعمه رئيس الوزراء " السابق " نجيب عبد الرزاق ، وتحالف الأمل المعارض ، والذي يتكون من أربعة أحزاب ، ويقوده رئيس الوزراء الأسبق والحالي مهاتير محمد ، والحزب الإسلامي الذي يقوده عبد الهادي أوانغ ، إلي جانب عدد من المستقلين ، وقد حقق تحالف الأمل المعارض فوزاً عريضاً بالحصول علي 121 مقعداً من مجموع عدد مقاعد البرلمان الماليزي الذي يبلغ عددها 222 مقعداً ، في حين حصل التحالف الحاكم علي 79 مقعداً ، والحزب الإسلامي 14 مقعداً ، بينما حصل المستقلون علي 8 مقاعد ، وشهدت الانتخابات الماليزية نسبة مشاركة بلغت 82.3 % من إجمالي عدد من يحق له التصويت . 
كانت أحزاب المعارضة الأربعة المعروفة باسم " تحالف الأمل " ، قد وقعت على وثيقة تحالف تقضي بتولي مهاتير محمد ، البالغ من العمر 92 عاماً ، منصب رئيس الوزراء حال فوز المعارضة في الانتخابات ، في الوقت الذي تعهد فيه رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد بأنه لن يتولي رئاسة الحكومة أكثر من عامين ، ويعمل منذ توليه السلطة علي الحصول علي عفو ملكي عن زعيم المعارضة أنور إبراهيم ، والذي يقضي عقوبة بالسجن تنفيذاً لأحكام صدرت ضده في قضايا تتعلق بالفساد واتهامات جنسية ، وهي التهم التي ينفيها إبراهيم والمعارضة ، مؤكدين أن دوافعها سياسية ، وبعد حصول أنور إبراهيم ، علي العفو الملكي وخروجه من السجن سيكون من حقه خوض الانتخابات البرلمانية التكميلية بعد عامين ، ومن ثم يتولي رئاسة الحكومة كما تعهد مهاتير محمد . 
جاء فوز ائتلاف المعارضة بقيادة مهاتير محمد لعدد من الأسباب ، أولها : الثقة الكبيرة التي يحظي بها مهاتير محمد ، والذي تولي قيادة البلاد لمدة 22 عاماً استطاع خِلالها ، أن يُقَدِّم تَجرِبَة اقتصاديّة وسياسيّة نَموذَجيّة ، وجَعل ماليزيا من أقوى نُمور آسيا ، وحَقَّق مُعدَّلات نُمو فاقَت 10 % العَشرة ، ونَقل ماليزيا من إحدى دُوَل العالم الثَّالِث إلى مُعسكَر الدُّوَل المُتقَدِّمة في سَنواتٍ مَعدودةٍ ، بعد تحويل ماليزيا من دولة زراعية إلى دولة صناعية حديثة ، بلغت نسبة صادرات السلع المصنعة نحو 82 % من إجمالي الصادرات الماليزية ، فكان عهده من أكثر فترات التاريخ الماليزي ازدهاراً وحرية ، ولم تشب الرجل ولا أي من المقربين منه أي شبهة فساد ، وحفظ للبلاد هَويَّتها الإسلاميّة ، لذا فإن الرجل له مكانة كبيرة في قلوب الماليزيين علي اختلاف المستويات والأعمار رغم تقدمه في السن وبلوغه 92 عاماً ، إلا أنه يعتبر الأب الروحي لكثير من الشباب في ماليزيا وملهم للكثير من القيادات حول العالم . 
ثاني أسباب فوز المعارضة يكمن في العديد من شبهات وقضايا الفساد التي حاصرت رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق وعدد من المقربين منه ، حيث وجهت له اتهامات فساد تتعلق باختلاس مبلغ 4.5 مليار دولار أمريكي من صندوق التنمية الوطني الماليزية ، منها نحو 700 مليون دولار في حسابه الخاص ، ورغم نفيه تلك الاتهامات إلا أن الشبهات الكبيرة أعطت نتائج سلبية عن صورته ونزاهته لدي الماليزيين .
ثالثاً : أصدر نجيب عبد الرزاق خلال توليه رئاسة الحكومة عدد من القرارات التي كان لها تأثير كبير علي حياة المواطن الماليزي الاقتصادية ، منها فرض ضرائب جديدة علي الكثير من المنتجات والخدمات ، وإلغاء دعم مواد الطاقة ، الأمر الذي أدي إلي ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة ، ومن ثم زيادة الغضب الشعبي لدي قطاعات كبيرة في الشارع الماليزي ، خاصة أن تلك القرارات الاقتصادية طالت الفئات المتوسطة والأقل في المجتمع بينما لم يقترب من الفئات الثرية في المجتمع بفرض ضرائب تصاعدية علي أصحاب الدخول المرتفعة . 
تعد عودة مهاتير محمد إلي الحياة السياسية درساً هاماً في عالم السياسة ، فهو رغم تقدمه في العمر شعر بخطأه السياسي عندما عزل نائبه أنور إبراهيم خلال الفترة من عام 1993 إلي عام 1998 ، ووزير المالية في حكومته خلال الفترة من عام 1993 إلي عام 1998 ، نتيجة لخلاف بينهما حول إدارة الحزب والبلاد ، ومن ثم عمل خلفه نجيب عبد الرزاق علي إقصاء غريمه ومنافسه القوي أنور إبراهيم وتوجيه اتهامات له بالفساد المالي واتهامات جنسية ، ومن ثم كانت مواقف مهاتير محمد في إدارة الخلاف مع أنور إبراهيم من أهم الدروس في انتخابات ماليزيا الأخيرة ، فقد سعا الرجلين إلي تصحيح الأخطاء والاعتراف بفضيلة الحق ورفع الظلم التي كثيراً ما تغيباعن عالم السياسة ، ونسيان الخلافات الشخصية من أجل إعلاء مصلحة البلاد ، ومحاربة الفساد الذي استشري خلال الفترة الأخيرة . 
أيضاً يحسب لمهاتير محمد ترفعه عن المنصب الذي زهده وتركه وطوعاً قبل ذلك بعد 22 عاماً في السلطة ، وها هو يتعهد بأن يترك رئاسة الحكومة بعد عامين ، وهي الفترة التي سوف يسعي خلالها إلي تمكين أنور إبراهيم من دخول البرلمان ومن ثم تولي رئاسة الحكومة ، وهذا ما يعني أن الرجل يسعي لأن يعيد لأنور إبراهيم اعتباره وسلطته التي سلبت منه في اتهامات سياسية ، وأن عودة مهاتير إلي السلطة هي شعور بالواجب والاعتراف بالخطأ ، وقد عبر عن ذلك بقوله : " أشعر أن من واجبي التصدى للفساد الذي انتشر في ماليزيا " ، مقراً بإساءته لنائبه السابق ولزعيم المعارضة القابع في السجن أنور إبراهيم ، وإنه نادم على ذلك ، وطلب منه العفو ، وهذا يعد من فضائل العمل السياسي الغائبة عن هذا العالم . 
عَودة مهاتير إلى الحُكم لها أهَمِيَّتِها ، لأنّ ماليزيا تَحت قِيادَتِه سوف تستطيع التخلَّص من أدرانِ الفَساد المُستَشرِية في البِلاد ، وسَتعود إلى الطَّريق الصَّحيح اقتصادِياً وسِياسياً ، وسوف يؤسس الرجل لأسس جديدة في البلاد قائمة علي محاربة الفساد أينما كان ، خاصة أن شبكة التحالفات في الانتخابات الأخيرة أرست مبادئ هامة ، يأتي في مقدمتها أن الانتماء الأول بين السياسيين هو للبلاد وليس للحزب أو الإئتلاف الذي ينتمي إليه ، وأن الفساد لا مكان له ، ومحاربته مقدم علي كل الاعتبارات مهما ، وقد عبر مهاتير محمد عن ذلك عندما استقال هو عدد من كبار مؤيديه من حزب المنظمة المالاوية القومية المتحدة " أمنو " عام 2016 ، أهم أحزاب ائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم ، وانضمامهم إلي المعارضة ، وقال وقتها " من المخجل أن أرتبط بحزب يدعم مظاهر الفساد في البلاد " . 
تدخل ماليزيا مرحلة جديدة في تاريخها السياسي ، بعد انتخابات عام 2018 ، والتي شهدت الكثير من التقلبات في المشهد السياسي أبرزها عودة السياسي المخضرم مهاتير محمد ، مؤسس نهضة ماليزيا الحديثة علي رأس السلطة ، وتولي المعارضة السلطة تحت قيادته لأول مرة في تاريخها السياسي ، بعد هيمنة حزب المنظمة المالاوية القومية المتحدة " أمنو " وائتلاف الجبهة الوطنية علي السلطة لأكثر من 60 عاماً ، ولذلك فمن المتوقع أن تشهد ماليزيا في الفترة المقبلة حركة تصحيح كبيرة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية ، بعد أن وصلت إلي مرحلة النضج السياسيي ، وأصبح لديها القدرة علي مواجهة التحديات التي تعترض نموذجها الفريد في الديمقراطية والتنمية . 

إرسل لصديق

ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال

ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال
ads
ads
ads