رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
السفير تورال رضاييف
السفير تورال رضاييف

أذربيجان : الجمهورية الأولى في الشرق الإسلامي 1918 - 1920

الجمعة 25/مايو/2018 - 08:20 م
مائة عام مضت على قيام أول جمهورية ديمقراطية في الشرق الإسلامي، مما أكسبها قيمة تاريخية كبيرة للغاية، حيث إن تشكيل جمهورية ديمقراطية في هذه المنطقة لأول مرة، يُعد انجازًا للشعب الأذري. إذ تُعد الأولى من نوعها في تاريخ العالم الإسلامي بتطبيقها خبرة النموذج الأوربي للدول القومية، حيث تم بناؤها في إطار النموذج البرلماني الكلاسيكي للجمهورية.
يجب الإشارة إلي الدور الذي لعبته الشخصيات البارزة للقادة داخل أذربيجان، حيث كان لهم دور مهم في هذه التجربة الرائدة ونقشت أسمائهم بأحرف من نور في ذاكرة الشعب الأذربيجاني إلى الأبد، فخلال فترة الاستقلال الأولي للدولة (1918-1920)، كان هناك محمد أمين رسول زاده مؤسس أذربيجان الديمقراطية وفتح علي خان خويسكي أول رئيس لحكومة أذربيجان الشعبية وعلي مردان بك توبجوباشوف رئيس البرلمان، ثم بعد ذلك كان
الاستقلال الثاني لأذربيجان في عام 1991؛ ليظهر دور حيدر علييف القائد السياسى المحنك الذي أخرج أذربيجان من مرحلة الصعاب والتحديات في مطلع التسعينيات، لتخطو نحو صوب مستقبل مزدهر وجاء بعده فخامة الرئيس إلهام علييف الذي كان خير خلف لخير سلف من قادة تاريخيين قادوا أوطانهم في لحظات مصيرية إلى التقدم والتطور.
وغني عن القول، إن تأسيس هذه الجمهورية المستقلة لم يكن يسيرًا أو سهلاً، وإنما بُذلت في سبيله الدماء وقُدمت من أجله التضحيات، وهو ما يتطلب إلقاء الضوء على جانب من هذا التاريخ، ليتذكر الجميع أن ما جرى للحصول على هذا الاستقلال هو ذاته ما تكرر عند حدوث الاستقلال الثاني عام 1991، وما أشبه ذلك اليوم بتلك البارحة.
واليوم، تحتفل جمهورية أذربيجان في 28 مايو بعيد استقلالها، حيث يتسم يوم 28 مايو بأهمية خاصة بالنسبة لشعب أذربيجان، ففي ذلك اليوم تم إعلان جمهورية أذربيجان الديمقراطية بعد انهيار الإمبراطورية الروسية القيصرية، واستمرت أول جمهورية أذربيجانية مستقلة لمدة 23 شهرًا فقط (ما بين 28 مايو 1918 -28 إبريل 1920) وتم إعلان أذربيجان كأول جمهورية برلمانية وديمقراطية ملتزمة بمبادئ سيادة القانون ونظام التعددية الحزبية وعلاقات حسن الجوار والتسامح والحقوق المتساوية لكافة القوميات التي تعيش على أرضها . وقد جاء في نص بيان الاستقلال الصادر عن المجلس الوطني ما يلي:
1. جمهورية أذربيجان الشعبية الوريث القانوني لأراضي أذربيجان الملحقة بالإمبراطورية الروسية وفق معاهدة "جوليستان" عام 1813، ومعاهدة "تركمنتشاي" عام 1828.
2. ابتداء من اليوم تُعتبر أذربيجان التي تشمل جنوب القوقاز الشرقي دولة مستقلة قانونية والشعب الأذربيجاني مصدر السلطة.
3. تعتزم جمهورية أذربيجان الديمقراطية إقامة علاقات حسن الجوار مع جميع أعضاء المجتمع الدولي، ولا سيما مع الدول المجاورة.
4. تمنح جمهورية أذربيجان الشعبية مواطنيها الحقوق المدنية والسياسية بغض النظر عن الجنسية أو الدين أو الوضع الاجتماعي.
5. تمنح جمهورية أذربيجان الشعبية لجميع الشعوب القاطنة فيها الفرص الواسعة للتنمية الحرة.
6. يترأس المجلس الوطني والحكومة المؤقتة المسؤولة أمام المجلس الوطني جمهورية أذربيجان حتى عقد اجتماع الجمعية التأسيسية.
وكان إعلان الاستقلال وثيقة مهمة بالنسبة لأذربيجان، فبموجب هذه الوثيقة نجحت الدولة في إعداد دستورها المبني على الحقوق المتساوية، وتم في ضوئه، إصدار القانون الخاص بتأسيس البرلمان الأذربيجاني البالغ عدد اعضاءه 120 عضوًا ممثلين عن الأحزاب المتعددة (حزب مساواة، اتحاد، أحرار، المستقلين، الاشتراكيون، الأرمن،
الطاشناك، وغيرها) والتي تشمل جميع الكيانات السياسية والقوميات والأعراق الرئيسة، ويعد تمثيل جميع التيارات السياسية والقوميات والأعراق في البرلمان الوطني، شاهد حي علي التزام أذربيجان بالتعددية الحزبية والنظام البرلماني متعدد القوميات.
وبدأ عمل البرلمان في 7 ديسمبر 1918. والجدير بالذكر أنه تم عقد 145 جلسة في البرلمان الأذربيجاني أثناء فترة نشاطه خلال 17 شهرًا، فكانت أول جلسة في 7 ديسمبر 1918، وآخر جلسة كانت في 27 إبريل 1920. حيث تم نقاش أكثر من 270 مشروع القانون، وتم التصديق علي نحو 230 منها. وكانت تعمل 11 لجنة في البرلمان. منها: اللجنة المالية-الميزانية؛ لجنة مبادرة القوانين؛ اللجنة المركزية؛ اللجنة العسكرية؛ اللجنة الزراعية؛ لجنة المراقبة وغيرها.
رغم الفترة المحدودة من عمر الجمهورية، إلا أنها نجحت في تحقيق عديد النجاحات والانجازات كان من أبرزها ما يأتي :
* في السادس والعشرين من يونيو1918 ، تم تأسيس جيش وطني أذربيجاني، حيث يعود الفضل في إنشاءه إلى الوطنيين الأذربيجانيين أمثال: "سمد بك مهمانداروف، علي آغا شيخلنسكي، حسين خان ناختشوانسكي، إبراهيم آغا أوسوبوف، كاظم قاجار، جواد بك شيخلنسكي، حبيب بك سليموف وغيرهم"، حيث لعبوا دورًا كبيرًا في تشكيل قوات الدفاع الوطني، وإعداد الكوادر المتخصصة وتدريبهم، وإنشاء أسس عسكرية فكان عدد الأفراد العسكرية يصل إلى 40 ألفًا، وبقيادة هؤلاء القادة تمكن الجيش الوطني من تطهير مدينة باكو والمدن الأخرى من احتلال العصابات المسلحة للطاشناك الأرمن. حيث جاء في "بيان الاستقلال" أن أذربيجان ينبغي لها أن تنشئ قوات مسلحة خاصة بها من أجل الدفاع عن نفسها من تدخلات خارجية. وتقدمت الحكومة بإنشاء جيش قوامه 25 ألف جندي في البداية. وتم تأسيس وزارة الحرب الأذربيجانية بتوظيف السيد خوسو بيك سلطانوف كأول وزير دفاع أذربيجاني في الأول من أغسطس 1918، واستطاع الجيش الوطني خلال مدة قصيرة بالتعاون مع الجيش الإسلامي القوقازي لدولة العثمانية العالية تحرير باكو، ولكن بعد غزو روسيا السوفييتية لأذربيجان عام 1920م ألغيت وزارة الحرب مع إعدام 15 جنرالا للجيش الوطني رميًا بالرصاص من قبل البلاش.
في السابع والعشرين من شهر يونيو عام 1918، أصدرت حكومة جمهورية أذربيجان الديمقراطية قرارًا باتخاذ اللغة الأذربيجانية لغة الدولة.
* في الثاني من شهر يوليو عام 1918 أصدر رئيس مجلس وزراء أذربيجان الديمقراطية ووزير الداخلية السيد فتح علي خان خويسكي قرارا بإنشاء أول قسم شرطة في البلاد، وبهذا القرار تم وضع الأسس لأجهزة الشرطة الأذربيجانية.
* في التاسع من شهر نوفمبر عام 1918، تبنت حكومة جمهورية أذربيجان الديمقراطية أول قرار لها باتخاذ علم ذي ثلاثة ألوان "الأزرق والأحمر والأخضر مع الهلال والنجمة الثمانية الأطراف"، والذي يرمز إلي الحداثة والديمقراطية، ومبادئ الهوية الوطنية، والإسلام، باعتباره علمًا لأذربيجان المستقلة، وعقب انهيار الجمهورية في 28 أبريل عام 1920 وقيام النظام السوفيتي تم إلغاء العلم، غير أنه أعيد الاعتراف به كعلم لجمهورية أذربيجان في 17 نوفمبر عام 1991.
* تم إنشاء العديد من المعاهد والجامعات بما فيها المعاهد الخاصة بالفتيات، فتأسست جامعة باكو الحكومية بقرار من البرلمان بتاريخ 1 سبتمبر لعام 1919، ولتنمية مجال العمل والتربية وتدريب الكوادر الوطنيين في البلاد، قررت الحكومة الأذربيجانية إرسال مائة طالب إلى دول مختلفة (منهم 45 طالب لفرنسا، 23 طالب لإيطاليا، 10 طلاب لبريطانيا، 9 طلاب لتركيا، و13 طالب لروسيا).
* في عام 1919 وصلت عدد الجرائد والمجلات الصادرة في أذربيجان إلى 80 جريدة ومجلة، منها 39 جريدة كانت تنشر باللغة الأذربيجانية. وكذلك توسعت شبكة المكتبات في أذربيجان خلال عام 1920 حيث وصلت عددها إلى إحدى عشرة مكتبة وكانت تشمل 95 ألف نسخة كتاب.
* فيما يتعلق بالشؤون الاجتماعية والدينية، اقترح محمد أمين رسول زاده انتقال إدارة مسلمي القوقاز والتي كان مركزها في مدينة تيبيلسي عاصمة جورجيا خلال الفترة (1823-1917) إلى مدينة باكو وأن يتم تأسيس المشيخة من جديد. وبقرار موسى بك رفييف وزير الضمان الاجتماعي والمعتقدات الدينية، أصبح الامام "آغا علي زاده" شيخ الإسلام، ومصطفى أفندي زاده مفتيًا. وكان شيخ الإسلام آغا علي زاده يرفض الطائفية، ويحافظ على التعددية بين أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة الموجودة في أذربيجان.
* تبنت الدولة سياسة خارجية ناجحة سمحت لها بالتواصل مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، حيث أقامت علاقات دبلوماسية مع كل من جورجيا وأرمينيا وتركيا وإيران وأوكرانيا وليتوانيا وبولندا وفنلندا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وإيطاليا والسويد وسويسرا وبلجيكا وندرلاند واليونان والدانمارك.
كانت الفترة من 1918-1920 التي مضت خلالها أذربيجان في تطورها باعتبارها جمهورية برلمانية مستقلة، قد أنهت عملية الارتقاء الزمني من كيان محل التنافس الإقليمي بين روسيا وتركيا وإيران، إلى وضعية الكيان المستقل في العلاقات الدولية.
ومع عقد مؤتمر "السلام" في باريس في 11 يناير 1920، تم اعتراف أوروبا باستقلال أذربيجان ضمن حدود دولتها المعلنة عن الاستقلال. وقد اعتمد القرار المذكور ممثلو انجلترا وفرنسا وإيطاليا. ولاحقا انضمت إليه اليابان، وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رفضها للقرار .
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا الاعتراف الدولي باستقلال أذربيجان تزامنت مع سعي القوات الروسية من الاقتراب من الحدود الشمالية لأذربيجان ضمن إطار سياستها "روسيا واحدة لا تتجزأ".
وقامت الوحدات التابعة للجيش الأحمر الروسى وكان قوامها 72 ألف جندي بالتجمع على ضفاف نهر سامور، في الوقت الذي بدأ فيه القتال من جانب العصابات الأرمينية في إقليم قراباغ، بما اضطرت معه الحكومة الأذربيجانية لتحريك جيشها في اتجاه الإقليم لمواجهة الاضطرابات. إلا أنه سرعان ما عبر الجيش الروسى النهر ليلا في 26 و27 أبريل 1920 ليتقدم جنوبًا في الأراضي الأذربيجانية، بما اضطر معه البرلمان الأذربيجاني إلى الاستقالة ليلة 27 أبريل بعدما أدرك المخطط الروسي بالتواطؤ مع الأرمن، ليدخل السوفييت باكو وتنتهي جمهورية أذربيجان الديمقراطية في 28 أبريل 1920 أي بعدما استمرت 23 شهرا.
وفي هذا الخصوص، يجدر بنا الاشارة إلي واحدة من القصص الوطنية التي تؤكد على حمية الشعب الأذري وقياداته في الدفاع عن الوطن واستقلاله، إذ يروي لنا تاريخ استقلال أذربيجان أن حوارًا جري بين كل من جوزيف ستالين رئيس مجلس الوزراء للاتحاد السوفيتي ومحمد أمين رسول زاده مؤسس جمهورية أذربيجان الديمقراطية. يسأل ستالين: ماذا قدمت حكومتكم التي عاشت وعمرها سنة ونصف للشعب؟ أجاب محمد أمين رسول زاده: لم نقدم كثيرًا، ولكن فهّمنا الناس ما هو الاستقلال وتذوقنا الاستقلال الوطني مهما كانت المدة قليلة. فنحن نلنا استقلالنا بعد العبودية مائة سنة لروسيا القيصرية وعرّفَـنا من نحن. وقال كلمته الشهيرة "العلم الذي علا يومًا، لن ينزل أبدًا"، وأصبح هذا شعار الاستقلال فيما بعد. وكما قال: "إن النظام الشيوعي لابد أن ينهار". وهذا ما حدث عام 1991 الذي شهد انهيار النظام الشيوعي والذي استمر 70 عامًا.
ولكن، رغم كل ذلك لم تضعف إرادة الشعب الأذربيجاني ورغبته في الحرية والاستقلال بل عملت هذه الأحداث على تكاتف وتعاضد كافة فئات المجتمع الأذربيجاني في مقاومة المحتل ودفعت عملية التحرر الوطني بقوة إلى الأمام، إذ توج هذا الكفاح بنجاح الشعب الأذرى بالتحرر من الاحتلال السوفيتي الذى دام واحد وسبعون عامًا، لتنهض أذربيجان من جديد دولة مستقلة لها سيادتها على كامل أرضها وترابها في الثامن عشر من أكتوبر 1991.
ومما زاد من وتيرة هذه الصعوبات وجعلها أكثر تعقيدًا ما جرى من جانب أرمينيا بدعم الجيش السوفيتي، إذ تلاقت مصالحهما، ففي الوقت الذي أراد فيه الجيش السوفيتي أن ينتقم من الشعب الأذرى نظرًا لسعيه للحصول على الاستقلال والحرية، كانت ثمة مطامع أرمينية مستمرة في الأراضي الآذرية، بهدف بناء "أرمينيا الكبرى" أي إزالة أذربيجان من على خارطة القوقاز السياسية. فارتكبت المجازر والمذابح بحق الشعب الاذرى، وكان من اشرسها مذبحة خوجالى مذبحة التي ارتكبها الأرمن في فبراير عام 1992، والتى راح ضحيتها فقتلت 613 مدنيًا.
من بينهم 106 نساء، 36 طفلاً و70 من كبار السن.
ومع تولي الزعيم حيدر علييف قيادة أذربيجان عام 1993 تمكن من وقف إطلاق النار بين طرفي النزاع، وترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز العلاقات الدولية الأكثر إلحاحًا، وتبني استراتيجية شاملة في مجال الطاقة وإرساء أسس التنمية المستدامة طويلة الأجل للبلاد. وهكذا حلت حقبة جديدة في حياة جمهورية أذربيجان المستقلة.
وفي الخامس عشر من أكتوبر 2003، كانت أذربيجان على موعد مع مرحلة جديدة من تاريخها المعاصر، على الرغم أنها ليست مرحلة تأسيسية كما كان عليه الحال مع بداية الاستقلال في تسعينيات القرن المنصرم، إلا أنها مرحلة لا تقل أهمية عنها، إذ واجهت الدولة تحدى كبير تمثل في كيفية الحفاظ على ما تحقق من مكتسبات وطنية، واستكمال خارطة بناء المستقبل للأجيال القادمة.
وفي هذه الفترة، بزغ نجم الرئيس إلهام علييف كونه أكثر الخلفاء كفاءة في حيث القدرة على مواصلة النهج السياسي الذي وضع بنيانه الزعيم حيدر علييف. وقد سار القائد إلهام علييف على نهج الزعيم حيدر علييف داخليًا، إذ استمر فى العمل على استكمال مسيرة التقدم والازدهار لتحقيق طموحات وآمال شعبه، مع السعي نحو إقرار الحل السلمي لإنهاء الاحتلال الأرميني لإقليم قراباغ والأقاليم المجاورة له، بهدف استعادة وحدة الأراضي الأذربيجانية وسيادتها الكاملة. وعلى المستوى الخارجى، ظلت السياسة الخارجية الآذرية سياسة فعالة ونشطة لجعل أذربيجان قائدًا إقليميًا وشريكًا دوليًا قويًا موثوقًا به.
وبفضل هذه الرؤية بعيدة النظر للقائد إلهام علييف والخبرات المتراكمة لديه، استطاعت أذربيجان خلال السنوات الماضية (2003- 2018) تحقيق إنجازات كبيرة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، مكّنت من تعزيز نظامها السياسى وتطوير اقتصادها الوطني.

إرسل لصديق

ads
ads
هل تتوقع فوز محمد صلاح بجائزة افضل لاعب في العالم

هل تتوقع فوز محمد صلاح بجائزة افضل لاعب في العالم
ads
ads
ads