رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

عن نتائج الانتخابات المحلية في إندونيسيا

الأحد 15/يوليه/2018 - 03:01 م

بعد ثمانية عشر عاماً من بدء عملية التحول الديمقراطي " الهادئ " الذي بدأته إندونيسيا بعد الإطاحة بنظام سوهارتو ، استطاعت إندونيسيا أن تصل إلي نهاية " المرحلة الانتقالية " لهذا التحول السياسي والديمقراطي كما كان مخطط لها ، محققة بذلك الأهداف التي رسمتها القيادة الجديدة للبلاد باقتدار ، حيث كانت الجولة الثالثة من الانتخابات المحلية والتي جرت يوم 27 يونيو 2018 في عدد من المناطق ، بلغت 172 محافظة ومنطقة محلية .
كانت إندونيسيا قد شهدت أولي الانتخابات المحلية في ديسمبر 2015 ، وشملت تلك الجولة 269 محافظة ومنطقة محلية ، وثم نجحت في إجراء المرحلة الثانية في 15 فبراير 2017 ، وشملت 101 محافظة ومنطقة محلية ، ومن ثم وصلت إلي المرحلة الثالثة والأخيرة في يونيو الماضي ، وبذلك تكون قد اكتملت مرحلة التحول الديمقراطي بإجراء الانتخابات في كافة أنحاء إندونيسيا ، لتكون جميع محافظات ومناطق البلاد علي موعد موحد لإجراء أول انتخابات إقليمية ومحلية شاملة عام ٢٠٢٤ ، أي أن تلك الانتخابات هي الانتخابات التمهيدية أو الابتدائية للممارسة السياسية والديمقراطية الشاملة في البلاد ، والتي أثبتت قدرة المواطن الإندونيسي علي ممارسة الديمقراطية في أعلي درجاتها بحسب المواصفات والمعايير العالمية .
اتسمت عملية التحول الديمقراطي في إندونيسيا بالهدوء ، بعكس ما تتسم به الثورات من التحول الثوري السريع والقوي والعنيف ، وذلك ما يعبر عنه الإندونيسيين دائما بأنه " إصلاح " ، ويرفضون استخدام مصطلح " ثورة " ، وهذا ما يفسر عملية التحول البطئ الذي سارت عليه إندونيسيا في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي ، فإذا كانت الثورات بطبيعتها تقوم علي هدم كل أركان النظام القديم ، وإقامة بناء جديد علي أسس جديدة ، فإن عملية التحول في إندونيسيا ترفض هدم كل أركان النظام القديم ، بل تعتمد سياسة التغيير فقط لما هو قائم ولا يتماشي مع عملية الإصلاح والتحديث ، والإبقاء علي ما يمكن إصلاحه وتطويعه للمرحلة الجديدة في البلاد .
اعتمدت الانتخابات المحلية الإندونيسية علي المشاركة الشعبية الواسعة ، ومن ثم فإنها جاءت من قاعدة الهرم الديمقراطي ، وليس من رأس الهرم ، فإذا كانت الديمقراطيات العريقة تعتمد علي أفكار ونظريات السياسيين والمفكرين ، وتبدأ من المستويات السياسية العليا ، حيث تبدأ من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ، حتي تصل إلي الانتخابات المحلية والبلدية ، إلا أن الديمقراطية الإندونيسية جاءت بعكس تلك النظرية ، وقد يكون لتلك السمة ما يفسرها في الحالة الإندونيسية ، حيث أن سنوات الاستبداد الطويلة التي عاشتها البلاد ، قد أدت إلي تراكم ما يمكن أن نطلق عليه " الأمية الديمقراطية " أو " الجهل السياسي " ، التي حرمت المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية في التعبير واختيار ممثليهم في كافة المستويات البلدية والمحلية والبرلمانية والرئاسية ، ومن ثم كانت الانتخابات المحلية والبلدية في إندونيسيا لمحو تلك الأمية السياسية والديمقراطية ، وإعادة تأهيل المواطنين علي ممارسة حقوقهم السياسية بكل حرية ، وفق الشروط التي تقتضيها العملية الديمقراطية وهي الاحترام المتبادل بين كافة المرشحين والناخبين ، ومن ثم تعتبر هذه الانتخابات مدرسة شعبية يتعلم فيها الشعب الممارسة السياسية الصحيحة بعيداً عن التعصب لحزب أو آخر ، ، أو قبيلة هنا أو هناك .
لعبت العادات والتقاليد الاجتماعية لكل منطقة جغرافية في البلاد المترامية الأطراف دوراً هاماً في تهئية الظروف لنجاح الانتخابات ، وهو ما استدعي تلك الفترة الزمنية الطويلة نسبياً لإتمام الانتخابات المحلية ، قبل أن يتم إجراء أول انتخابات شاملة ، فلم يتم إجراء الانتخابات في أي محافظة أو منطقة إلا بعد التأكد من تهيئة كافة الظروف التي من شأنها المساعدة علي نجاح تلك الانتخابات ، خاصة أن المناطق والمحافظات تتمتع بكشل كبير من الحكم الذاتي ، ومن ثم فإن كل منطقة ومحافظة تعتمد علي موادرها الخاصة بها بشكل كبير .
أهم ما تمخضت عنه الانتخابات الإندونيسية من نتائج أو ما يمكن أن نسميها " ثمار العملية السياسية " بعد اكتمال مراحلها الثلاث ، وشمولها لكافة أنحاء البلاد ، هو سيادة العملية الانتخابية طابع الهدوء والبعد عن العصبية ، والضغوط النفسية علي المرشحين والناخبين ، مما أضفي علي هذه الانتخابات الطابع الاحتفالي بالعرس الديمقراطي الذي تشهده البلاد ، أو بالأحري المناطق التي تشهدها الانتخابات ، فالروح المعنوية والاحساس بأهمية الانتخابات ، واعتزاز كل ناخب بصوته وشعوره بأهمية هذا الصوت الانتخابي ، كلها عوامل ساهمت في تحقيق تلك الانتخابات أهدافها المرجوة في صناعة حياة سياسية وديمقراطية راقية في تلك البلاد ، تفوقت عن غيرها في كثير من الدول الغربية ذات التاريخ العريق في الديمقراطية ، وبعيداً عن الأنماط والنظريات السياسية التي لا تتناسب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد .
لم تعتمد نتائج أو ثمار الانتخابات الإندونيسية علي فوز حزب دون آخر ، بقد ما كانت القناعة لدي الجميع بأن الانتخابات كانت معبرة عن إرادة الجماهير المشاركة في هذه الانتخابات ، وهذا ما أكسبها المصداقية وقبول نتائجها بل الرضا ، خاصة أنها كانت تجربة محلية وطنية ، لم تستنسخ تجارب خارجية ، حيث اعتمدت علي واقع المجتمع وظروفه المختلفة ، ولم ترتبط بفلسفة الأنماط الدستورية التي يصعب علي المواطن فهمها كما في الدول الأخري ، ولا بالقوانين الجامدة التي يصعب تطبيقها سواء من قبل السلطات الحاكمة أو من قبل المواطنين ، أو يحتاج تطبيقها إلي موارد وطاقات ترهق كاهل موازنة الدولة والمواطن معاً ، أو يحتاج تطبيقها إلي تغيير أنماط اجتماعية وعادات وتقاليد وثقافات وسلوكيات المجتمع المحلية التي اعتادها ، فقد مهدت الانتخابات وأرست قواعد تجربة ديمقراطية راسخة تستطيع البناء عليها بكل ثقة واقتدار .
المجتمع الإندونيسي الذي يتكون من فسيفساء فريد من القوميات الإثنية والعرقية والدينية يزيد عددها عن 300 مجموعة إثنية وعرقية ، يتحدثون بأكثر من 70 لغة ولهجة محلية ، ويعتقدون بمعتقدات عديدة سماوية وغير سماوية يأتي في مقدمتها الإسلام الذين يدين به أغلب الشعب الإندونيسي ، مع وجود الديانتين المسيحية واليهودية ، إلي جانب الكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية وغيرها ، وكل هذا الخليط من القوميات والثقافات والمعتقدات تطلب حواراً ونقاشاً هادئاً ، يراعي خصوصيات كل هذا الخليط الثقافي للشعب الإندونيسي ، وعدم خروج عملية التحول السياسي والديمقراطي عن مسارها باتجاه ديني أو قومي أو عرقي ، وهذا ما ساعد علي نجاح عملية الانتخابات المحلية في مراحلها الثلاث دون حدوث أي اختراقات أو أحداث تعكر صفوة تلك التجربة الرائدة والفريدة ، ليس في إندونيسيا وحسب ، بل في العالم كله بشكل عام .

إرسل لصديق

ads
ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال

ما السبب في خروج منتخب مصر من المونديال
ads
ads
ads