رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

روسيا في النظام العالمي الجديد

السبت 28/يوليه/2018 - 07:56 م
لم يعد خافياً الدور الكبير الذي تلعبه روسيا علي الساحتين الإقليمية والدولية ، فقد استعادت روسيا كثيراً من نفوذها ومكانتها كقوة وريثة للاتحاد السوفيتي أحد قطبي الزعامة العالمية ، وبعد سنوات من الجمود أو خمول نتيجة بعض السياسات التي رافقت عملية التحول في روسيا ، استطاعت روسيا خلال العقدين الأخيرين ، وخاصة منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في البلاد ، استطاع أن يعود بروسيا إلي القيادة الدولية مرة أخري ، وإنشاء شبكة علاقات وتحالفات إقليمية ودولية تساعدها علي أداء هذا الدور القيادي ، سواء من خلال مجموعة " بريكس " ، او من خلال بعض الحلفاء كإيران وتركيا .
منذ سقوط نظام القطبين الأعظم ، انتظر العالم مولد نظام آخر . أرادت الولايات المتحدة أن تتزعم ذلك النظام ، وأراد جورج بوش الأب إقناع العالم بأن بلاده تقود منفردة ، وأن نظام القطب الواحد يعبر أفضل تعبير عن واقع التفاعلات الدولية فى ذلك الوقت . فاجأت أمريكا العالم بعجزها عن أداء وظيفة القيادة . فعملت علي تسليم مقاليدها السياسية والعسكرية لجماعة المحافظين الجدد وأغلبهم من عتاة الصهيونية المتطرفة فأدخلوها حربا فى الشرق الأوسط دمرت سمعة العسكرية الأمريكية وأسقطت وهم أمريكا القطب الأوحد ، حيث تشققت بنيتها التحتية ، ولم تستطع صد سلبيات العولمة التى كانت من صناعتها ومولدة طاقتها .
كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما أول من نبه إلى خطورة الوضع الذى تدنت إليه الولايات المتحدة فى معيار القوة الذاتية ثم القوة المقارنة ، أراد أوباما أن يلم تشتت الانتباهات الأمريكية فى الخارج ، فقد كان مدركاً لحقيقة أن الولايات المتحدة أصيبت إصابة بالغة فى جناحها العسكرى بسبب حربها فى العراق ووجودها فى الشرق الأوسط ، وكان مدركاً أيضا لحقيقة أن الولايات المتحدة يجب ألا تتورط فتطير خارج حدودها بجناح عسكري ضعيف وجناح اقتصادى منهك بسبب الأزمة المالية والاقتصادية وتداعياتها .
بدأت تتفاقم أزمة الثقة داخل معسكر الغرب ، وكان واضحا لمعظم القادة الغربيين أن روسيا التى عادت تنهض لم تغفر للغرب ما فعله وحاول أن يفعله فى دول جوارها فور انفراط هيمنتها على هذه الدول . ولن تبقى طويلا صامته وغير فاعلة فى مواجهة توغل حلف الأطلسى نحو حدود روسيا الغربية . فى الوقت نفسه لم يكن غائبا عن فكر هؤلاء القادة الأوروبيين أن الولايات المتحدة تنسحب وتتخلى عن مسئولياتها فى قيادة المواجهة مع روسيا وبخاصة عندما أعلن الرئيس أوباما نيته فتح فصل جديد فى سجل العلاقات الأمريكية مع روسيا .
علي الجانب الآخر لم تغير روسيا للحظة واحدة اعتقادها أنها يجب ألا تطمئن لنوايا الغرب تجاهها ، فالغرب منذ قرون خلت يسعى لإضعاف روسيا وحرمانها من ممارسة نفوذ مستحق لها فى جميع الساحات السلافية العرق والثقافة فى شرق ووسط وجنوب أوروبا ، وحرمانها من الوصول إلى المياه الدافئة فى البحرين الأسود والمتوسط والخليج ، فروسيا ، وبشكل خاص الطبقة السياسية ذات الأصول الأوليجاركية والبيروقراطية والحاكمة الآن فى موسكو ، تعلم أن قوة الغرب تكمن فى مصادر معروفة ، أهمها بالنسبة لروسيا المعاصرة مصدران ، الأول : تماسك الغرب كجماعة تعتنق منظومة قيم ليبرالية وديموقراطية تمارسها وتبشر بها . والثاني : تماسك الحلف الغربى وخضوعه بالرضا التام لقيادة لم تتغير على امتداد سبعين عاما .
تدرك روسيا جيداً أن عليها التزامات يجب الوفاء بها إذا أرادت تأمين مستقبلها كدولة أوراسية بنفوذ قوي ، أو حتي إذا أرادت استعادة وضعها الإمبراطوري وإن فى حدود ضيقة ، أول هذه الالتزامات : أن تثتب للغرب فشل نهجها تجاه روسيا من خلال زعزعة ثقة الشعوب الغربية فى جدوى اعتناقها الديموقراطية والقيم الليبرالية . ثاني تلك الالتزامات اثبات خطأ أوروبا في الاعتماد المطلق علي الولايات المتحدة ، وذلك من خلال تقديم نفسها كمصدر موثوق به لاعتماد أوروبا عليه .
بين الحين والآخر توجه الولايات المتحدة والدول الغربية أصابه الاتهامات إلي موسكو بأنها تمارس تدخلاً في انتخابات الدول الغربية ، وحتي في انتخابات الرئاسة الأمريكية ذاتها ، ومحاولة هدم المؤسسات الغربية ، في نفس الوقت الذي توجه فيه الدول الغربية هذه الاتهامات إلي روسيا ، فإن الرئيس دونالد ترامب زعيم أكبر دولة غربية يمارس بنفسه وفى بلاده عمليات هدم القيم والمؤسسات المتهم بممارستها الرئيس فلاديمير بوتين ضد الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الأخري .
أصبح وجود روسيا داخل أوروبا أمر حيوي وهام للعلاقات بين الطرفين ، لايمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر ، فعلي سبيل المثال ، إذا كانت الولايات المتحدة متواجدة داخل ألمانيا من خلال تواجد 34 ألف جندي أمريكي ، فإن روسيا متواجدة أيضا في ألمانيا من خلال أنابيب الغاز التي تنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية الأخري .
وإذا كان حلف شمال الأطلسي " الناتو " قد أنشئ خصيصاً لمواجهة الخطر السوفيتي ثم الروسي بعد ذلك ، وأن روسيا التي كانت تعترض علي اقتراب الحلف من حدوده الغربية ، فقد أصبحت روسيا الآن فى قلب أوروبا ولا يمكن الاستغناء عنها ، كما أصبح لها أصدقاء وحلفاء أعضاء في الحلف لهما مصالح مشتركة أكثر من مصالحهم من حلفائهم في أوروبا ، فتركيا علي سبيل المثال ، هي الآن حليف مقرب من روسيا ، لها مصالح استراتيجية مشتركة ، سواء في سورية ، أو من خلال مشروع " السيل التركي " ، الذي ينقل الغاز والنقط الروسي إلي أوروبا ، هذا إلي جانب الخذلان الذي لاقته تركيا مراراً من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ، سواء من خلال ضغط الولايات المتحدة علي تركيا بتحالفها مع الأكراد في شمال سورية الذي يشكلون تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي ، أو من خلال رفض أوروبا انضمام تركيا إلي الاتحاد الأوروبي .

إرسل لصديق

ads
ads
هل تتوقع فوز محمد صلاح بجائزة افضل لاعب في العالم

هل تتوقع فوز محمد صلاح بجائزة افضل لاعب في العالم
ads
ads
ads