رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads

ضرب الزوجات.. تأويلات خاطئة للدين.. تصورات واهية لمفهوم القوامة.. وأسر تتهدم بساحات المحاكم

الأربعاء 12/يونيو/2019 - 06:37 م
الوسيلة
باتت مشكلة ضرب الزوجات أزمة تهدد السلم الاجتماعي مع تزايد أعداد الدعاوى القضائية المتعلقة بها في ساحات المحاكم، ووصول بعض حالات الاعتداء إلى القتل الخطأ والعاهات المستديمة، واستمرار التصورات الدينية الخاطئة حول إباحة ضرب الزوجة الناشز.
وتصدى الأمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، لتلك المشكلة محاولًا تصحيح تلك المفاهيم الخاطئة، معتبرا الضرب العلاج الثالث للنشوز الذي قسم القرآن ثلاثة أنواع، أولها يكون بالموعظة فإن لم تثمر، يأتي الهجر في المضاجع، وكان العلاج الثالث هو الضرب التعذيري حتى لا تغرق الأسرة أو تهلك.
ووضح الطيب أن الكثيرين أساءوا فهم الضرب رغم ما حددته له الشريعة الإسلامية من ضوابط وحدود، فمن شروطه ألا يكسر عظما، أو يؤذي عضوًا، ولا يجوز للزوج أن يضرب باليد أو يضرب على الوجه ولا يخدش الجسد، ولا يترك أثرا نفسيا على الزوجة والمراد به ضرب رمزي بالمسواك مثلا أو فرشاة الأسنان في هذا الزمن.
بعض الحالات الواقعية لسيدات تعرضن للعنف من قبل أزواجهن، وتؤكد تفشي العنف الأسري بالمجتمع المصري، وأن بعض البيوت تحولت لبؤرة لممارسة العنف ليصبح الأمر ظاهرة تهدد المجتمع.
أرقام مفزعة
رغم سن التشريعات والقوانين التي تحظر ضرب الزوجة، إلا أن هناك نحو 8 ملايين سيدة مصرية تتعرض للعنف، و86% من الزوجات يتعرضن للضرب من الأزواج، وذلك حسب الإحصائية الأخيرة للمجلس القومي للمرأة.
وترى بعض السيدات، أن هناك من يتخذ من مبدأ الضرب للزوجة الناشز ذريعة ومبررا للرجال لضرب زوجاتهم، بتفسير الفتوى على حسب عقولهم ومستوى تفكيرهم، مما يتسبب في استمرار القضية الشائكة التي تعاني منها معظم السيدات على مدى عقود طويلة وهي "العنف ضد المرأة" والتي تزيد نسب الطلاق ويدمر البيوت.
تقول "حنان.م" (27 عامًا، معلمة) إن إباحة ضرب الزوجة، حتى إذا كان بمسواك يجعل الكثير من الرجال يبررون أفعالهم القاسية تجاه المرأة، فكل منهم سيفسر الفتوى على مزاجه، ويعطي الحق لنفسه بدعوى أن الدين أباح له ضرب زوجته"
وقالت "شيماء.ع" (30 عامًا، ربة منزل) إن الضرب مرفوض نهائي، وليس له مبرر، والزوج والزوجة يمثلان المثل الأعلى لأبنائهم، مضيفة: "لما الأولاد يشوفوا الأب يضرب والدتهم، هيقلدوا ويتعودا على إهانة المرأة.. وده كلام مرفوض، لازم يواجه العنف ضد المرأة، مش يكون هناك في فتاوي تعطي مبررا لها، ودي أفكار رجعية متنفعش في الزمن ده".
روايات واقعية
وتقول "جهاد. ع"، البالغة من العمر 29 عامًا، لـ "بوابة الأهرام"، إنها منذ زواجها دبت الخلافات الزوجية في المنزل، وفي إحدى المرات قام زوجها بإفراغ شحنة الغضب التي أعمته، لينهال بالضرب علي في وجهي وجسدي بالكامل".
وأكدت الزوجة التي أقامت دعوى طلاق أمام محكمة الأسرة: "لم أفعل شيئا غير الاعتراض على سب أهلي من قبل حماتي، وعندما لجئت للهروب أكمل مسلسل تعنيفه ضدي، في مشهد مأساوي سيظل في ذاكرتي مدى الحياة، وحاول المصالحة ولكني رفضت لأني إذا تنازلت عن حقي سيكررها ويتم إهانتي".
واقع صعب
تعود الزوجة مسرعة من عملها إلى المنزل، وهي منهكة القوى فتستريح قليلا من معاناة زحمة المواصلات، وفجأة يأتي صوت الزوج العائد من عمله فيقوم بفتح باب الشقة، فتقوم فورا إلى المطبخ محاولة إعداد وجبة الغذاء سريعا أثناء قيامه بتغيير ملابسه، ولكن الوقت خذلها، فيثور جنون الزوج بسبب التأخير عن إعداد الطعام، وينال عليها بالضرب حتى نزفت وتم نقلها إلى المستشفى.
وتروي الزوجة "م.خ"، التي نجت من هذا الاعتداء بأعجوبة، بعد قضاء أكثر من 3 أشهر تخضع للعلاج، "تقدمت بدعوى طلاق للضرر أمام محكمة الأسرة بعد أن تعافيت من حادث الضرب، بسبب خلاف نشب بسبب تأخري على إعداد وجبة الغداء، لم أتوقع أن رد فعله يكون بهذه القسوة، كنت بموت، ومعظم الرجالة تعطي لنفسها الحق في ضرب وإهانة الزوجة، رغم أن ربنا كرمنا".
فيما قالت "أسماء. ع"، البالغة من العمر 33 عام، "أنا جوزي ضربني أكثر من مرة، كل مرة يتعهد بعدم تكرارها، ولكنه يكررها وبقسوة بمجرد حدوث أي خلاف بيننا، مش قادرة أحكي لأهلي عشان هيكرهوه، وله قادرة أحكي لأهله عشان نظرتهم ليا بعد كده، وبستحمل عشان أولادي، حتى أعطى نفسه الحق في الضرب بسبب سكوتي المتكرر، ويرى أنه لابد من أن تستحمل الزوجة غضب زوجها وتطيعه".
سبب الطلاق
تكشف الإحصاءات الرسمية أن هناك حالة طلاق كل دقيقتين ونصف في مصر، وبلغت نسبة حالات الطلاق قرابة 50% من إجمالي حالات الزواج الجديدة، ويعد العنف الأسري أحد أهم الأسباب التي تدفع نسبة غير قليلة من النساء إلى السعي لطلب الطلاق أو الخلع.
وينص القانون على عقوبة ضرب الزوجة تبدأ من 6 أشهر إلى سنة أو سنتين أو أكثر حسب الضرب الذي تعرضت له والأداة المستخدمة وحجم الضرر الواقع عليها ونية الشخص نفسه، وعلى سبيل المثال إن كان غرض الزوج من الضرب إجهاض الحمل أو الموت أو غيره، كما يتم فرض غرامة مالية بحد أدنى 200 جنيه، ويمكن للزوجة المتضررة أيضا طلب التعويض، بحسب ما أكده محمد طايع محامي متخصص في الأحوال الشخصية.
ويوضح "طايع"، أن المادة 266 تنص على: “كل من أحدث عمدًا جرحا أو ضربا بزوجته يعاقب بالحبس من سنة إلى 3 سنوات إذا لم ينشأ عن الجرح والضرب أي مرض أو عجز كلي عن العمل يفوق 15 يوما، أو بالحبس من سنتين إلى 5 إذا نشأ عجز عن العمل يزيد على 15 يوما، وقد تصل العقوبة إلى 20 سنة إذا أفضى الضرب إلى بتر أحد الأعضاء أو الحرمان من استعماله، ويدان الفاعل بالمؤبد إذا أدى الضرب إلى الوفاة دون قصد إحداثها ، أما المادة 333، تعاقب بالحبس من شهرين إلى 6 أشهر، وبغرامة مالية كبيرة”.
ويشير بعض علماء النفس والاجتماع والفقه، بأصابع الاتهام إلى المؤسسات الدينية باعتبارها ترسخ قناعة لدى الرجل بأنه صاحب الحق في الاعتداء بالضرب على زوجته وأبنائه، لتأديبهم، مؤكدين في تصريحاتهم لـ "بوابة الأهرام"،إن الضرب يولد العنف الأسري ويزيد الفجوة بين الزوجين مما يزيد حالات الطلاق في الدولة.
تصحيح المفاهيم
ويوضح الدكتور عطية لاشين أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، لـ "بوابة الأهرام"، إنه ورد النهي عن ضرب النساء، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف ضاربي النساء بأنهم شرار الخلق، وأما ما ورد من قول الله تعالى "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ"، فتلك مراحل تأديب الزوجة عند نشوزها.
ويتابع أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، أن الوسيلة الأولى لتأديب المرأة الناشز، هي الوعظ وإذا لم تمتنع عن النشوز جاءت المرحلة الثانية الهجر في المضجع فقط وليس في الكلام، فإذا لم تعتدل من الهجر، جاءت المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الضرب، والضرب التي أقرته الشريعة الإسلامية اشترط ما يلي:
1- أن لا يكون على الوجه.
2- أن لا يكون على الرأس، لأن الرأس بها كل مراكز الإحساس بالجسم.
3- أن لا تنزف دما.
4- أن لا يترك أثرا من احمرار أو ورم.
ويؤكد أن عقاب الضرب للمرأة النشوز يكون مثلا بطرف الثوب أو طرف المنديل أو بمسواك في يده، وذلك في حالة العصيان فقط، أي لا يجيز استخدام الضرب في أي خلاف بسيط، ولكن يترتب عليه خلاف مستحكم بترتب عليه ضرر كبير يخل بالأسرة ويؤدي إلى خرابها، ويكون قد قام بالعقاب الأول والثاني، مؤكدا أن الشريعة الإسلامية واضحة وتكرم المرأة، وليس لها علاقة بمن يستخدم بعض الألفاظ بطريقة خاطئة.
تجديد الخطاب
وقالت الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر الشريف،إن مسالة ضرب الزوج لزوجته مرفوض تماما في العقيدة الإسلامية شكلا وموضوعا ومهما كانت ضوابط الضرب، لأنه إذا رفع الزوج يده على الزوجة في أي موضع سقطت أعظم قيمة للمودة والرحمة بين الزوجين، وسقطت كرامة المرأة في منزلها.
وطالبت المؤسسات الدينية والأئمة، بإبعاد فكرة ضرب الزوج لزوجته من عقول الرجال، ونصح الرجال أنه عند الغضب وإذا تمادت الزوجة في عدم الرضا والمصالحة يترك المنزل في هذا الوقت لكي يبدي غضبه فيضرب غضبه بخروجه من المنزل، وهذا يعتبر تفسيرا مقبولا يحفظ قيمة المفهوم وتفسير اللغة، مؤكدة أن المرأة المعاصرة لم تعد المرأة البسيطة الأمية التي ولدت للطاعة، فامرأة اليوم لا يجدي معها الضرب.
وتوضح الدكتورة آمنة نصير، أنه لابد من تجديد الفكر والخطاب الديني ومراعاة المستجدات استنادا إلى قوله "صلي الله عليه وسلم": "يبعث الله على رأس كل مائة سنة، من يجدد دين هذه الأمة"، لافتة إلى أن صمت المرأة عن ضربها هو سبب رئيسي في استمرار هذه الوقائع، وضربها في منزل أهلها قبل الزوج يجعلها معتادة على هذا الوضع، فإذا ترتبت تربية كريمة لا تقبل بهذا الأمر نهائيا، لأن الضرب ليس كما يقال نوع من الأدب والتهذيب، بل إنه فعل مشين وإهانة للمرأة.
فجوة حياتية
يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، لـ "بوابة الأهرام"، إن ضرب الزوج لزوجته أصبح من الأمور التي تسبب لها أذى نفسيا ينعكس سلبا على الأسرة والأطفال، مما يؤدي إلى دمار العائلة، وزيادة الفجوة بين الزوجين وكسر كبرياء المرأة يجعل الأطفال يقومون بتقليد والدهم كما نرى الحوادث المأساوية التي تحدث هذه الأيام، منوها أن ضعف العقوبة بالقانون سبب رئيسي في استمرار العنف الأسري، وأن خوف المرأة من رفع قضية على زوجها من الأسباب أيضا، لذلك لابد من تغير الفكر وتغليظ العقوبة بالقانون.
ويؤكد "فرويز"، أن بعض الرجال يقيس أن الضرب تدين ويزيد من رجولته أمام الزوجة بأنه الأقوى، ويرون أن عقاب الزوجة في أي نوع من أنواع الخلاف هو الضرب والإهانة لها، منوها أن الزواج شراكة وليس صراعا، وحتى تنجح الشركة لابد من الحفاظ عليها، فلو نجحت ستكبر الأسرة وإذا فشلت سيخسر الطرفين ويشرد الأبناء، لذلك لابد من وجود احترام متبادل بين الطرفين.
ويضيف أن تقبل المرأة للضرب المتكرر يجعلها سببا في تكرار العنف، فلابد أن تدرك الزوجة أنه لا يجب أن تعود زوجها على ضربها، وعلى كل زوجة أن تأخذ موقفا حاسما إذا ضربها زوجها لمنع تكرار ذلك، كما يجب على المؤسسات الدينية تجديد الخطاب الديني، وتغير قناعة الرجل بأنه صاحب الحق في الاعتداء على زوجته، وأن المرأة يجب تكريمها وليس إهانتها.

إرسل لصديق

من سيتوج بكأس مصر

من سيتوج بكأس مصر
ads
ads