رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
محمود المليجى
محمود المليجى

حرية الموت

الإثنين 09/ديسمبر/2019 - 01:06 ص
تتناثر الأخبار بشكل متلاحق عن أشلاء يلملموها من تحت عجلات القطار أو من بين عربات مترو وهذه جثة منزوعة الحراك تحت برج القاهرة بعد أن عمد صاحبها الى إلقاء نفسه وتلك لجثمان مسجي بعد إنهاء حياته بقطع شرايين يده وسواها تجرعت السم الزعاف أو أدوية بجرعات زائدة أو تناول مبيد حشري كلها تتزاحم بالمشرحة وثلاجات الموتى في المستشفيات في انتظار تشريحها وكتابة تقرير نهائي يبين سبب الوفاة ويأمر علي أثره بدفنها لتنتهي قصة حياة فرد قرر منفردا أن ينهي حياته بيده ليسدل الستار على حياة مليئة بالصعاب والضغوط والعقبات.

إلى هنا وينتهي الخبر يعقبه بعض ردود الأفعال ما بين تعاطف وتقعير وتقريظ ومصمصة الشفاه وتعديد لمحاسن صاحب الجثمان ويليه جدل ديني واسع بين حرمة الانتحار وحله وإقامة محاكمة دينية لإقرار هل يستقر المنتحر في نار جهنم أم له أن يطأ الجنة ولو بعد حين وتصدر الأحكام المطلقة بحرمة الانتحار و طبقا للنصوص الدينية فهو يخالف إرادة الخالق وحكم آخر بكفر المنتحر فهو سلب من الجسد حرمته ومن الحياة قدسيتها دون النظر الي اي معطيات أخرى.

إذا فالانتحار في بلدنا الان يعد ظاهرة ,ووجب أن نقف عندها أفرادا وجماعات لبحث تلك الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمع.

وقد استقرت العلوم الدينية والدنيوية على تعريف واحد للانتحار وهو : الفعل الذي يتضمن تسبب الشخص عمدا ً في قتل نفسه.

أما دوافع الانتحار وبواعثه تتطلب أطباء نفسيين و علماء الاجتماع أكثر مما تتطلب علماء الدين
فالاديان السماوية جميعها أمرت بعدم قتل النفس وأدانت قاتل نفسه وقد انزل الله في كتابه الكريم الأمر الناهي بعدم قتل النفس"« وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرً » .

وعلماء الدين لا يملكون إلا وسيلتي الترهيب والترغيب وأغلب الظن انها مرحلة مؤجلة تأتي بعد أن يعمل علماء النفس والاجتماع عملهم بالبحث والتفحيص والوقوف على أسباب انتشار الظاهرة وسبل علاجها وخاصة أن العلم اثبت ان المنتحر غالبا ما يقع في براثن مرض الاكتئاب الحاد أو الاضطراب العقلي والذهان وهي أمراض نفسية تستدعي طبيبا نفسا أكثر مما تستدعي رجال الدين فحتى رجل الدين حين يمرض يلجأ إلى طبيب مختص لعيادته, والامر الغريب ان الإحصاءات تشير إلى ارتفاع أعداد المنتحرين في الدول الإسلامية . 

وقد قسم العلم إقدام الفرد على الانتحار إلى أقسام ثلاث :
أولها الانتحار الذاتي (الانتحار الأناني) :
ويلجأ إليه عادة من يحب ذاته حبا شديدا ولا يملك القدرة على العطاء للآخرين فينفر منه المجتمع وينبذه ويفقد علاقاته الاجتماعية ولا يستطيع مواصلة الحياة بعد تغلغل الخلل في الأنا وبعد أن طعنت نرجسيته وعدم قدرته على تخطي العقبات والمحن .

والقسم الثاني الانتحار الإيثاري ( الانتحار الغير) :
وفيه يقدم الفرد على التضحية بنفسه فداء الآخر كمحاربي الساموراي في اليابان الملقبين بالفدائيين وكان يعد نزالهم هو محض انتحار ويؤثرون الموت في سبيل المجموع ,وكما قال سقراط عند انتحاره : « انا فداء للأخرين » كما كان يزعم .

اما القسم الثالث فهو الانتحار اللامعياري :
ويحدث عادة كنتيجة طبيعية لانفلات المعايير المجتمعية والأخلاقية المصحوبة بالفساد الاقتصادي.
وفي كل الأحوال وهو رأي يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ : أن كل من اقدم على الانتحار فهو وقت تنفيذ قراره يكون قد مات فعلا واصبح هو والعدم سواء.

وفي سياق دراسة هذه الظاهرةالاجتماعية السلبية التي تهدد أمن الفرد والمجتمع عدد العلماء أسباب عدة لإقدام الإنسان على الانتحار .

أهمها : ـــ
اعتلال الصحة العقلية لأسباب مرضية.
الاضطرابات النفسية والتي تشمل مرض الاكتئاب.
والذهان وما على شاكلتهم.
الانتهاك الجسدي والجنسي والتنمر.
تأثير المخدرات والكحوليات.
المشكلات القانونية والمالية والأسرية.
العنف مع الذات نتيجة الكبت المفرط.
التوجيه الجنسي ( تغيير الجنس) ورفض المجتمع للمتحولين جنسيا.
التخلص التخلص من القهر والظلم والاستبداد.

وقد لخص الفيلسوف الروماني سينكا ثقافة الانتحار في مقولته” انتحار الرجل جنة تقيه رزايا الحياة وينأى بكرامته من أن يمسها الطغاة المستبدين“.

وهو ما أقدمت عليه الملكة كليوباترا بديلا عن تقبل الهزيمة والوقوع في الأسر.

أما أهم ملامح العلاج ــ والذي يجب أن يعمل عليها المتخصصون في علم الاجتماع وأطباء النفس ــ
تكمن في عمل حملة طبية منظمة على غرار حملة 100 مليون صحة للوقاية المجتمعية من الأمراض النفسية المؤدية للانتحار.

عودة دور الدولة في نشر الثقافة والفنون والآداب وإيجاد متنفس للشباب وأعمال أدوات الحوار بين أفراد المجتمع بعضهم البعض وبينهم وبين مؤسسات الدولة .

عودة دور الأسرة في التربية والتوجيه وكذلك تفعيل ريادة دور العبادة ( المسجد والكنيسة)
في توصيل المبادئ الدينية الأخلاقية غير المتطرفة.

العمل على إيجاد مساحة أكبر للرياضة في حياة الشباب واستبدال ممارسة الرياضة بدلا من الأكتفاء بالتشجيع .

"والله نسأل الخير لبلادنا وشعبنا"

إرسل لصديق

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري
ads
ads