رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

آباي كونانباي رائد الأدب القازاقي الحديث

الأحد 05/يوليو/2020 - 10:36 ص
يعد آباي كونانباي مؤسس الأدب القازاقى الحديث، والأب الروحى لكل القازاق، فقد كانت حياته رمزاً لتحول ثقافى فى المجتمع القازاقى، حيث يتميز شعره بالسهولة والبساطة إلى جانب الروعة فى الأسلوب الفنى الذى يجسد المهارة والقدرة اللغوية والصياغة الفنية التى تؤكد على موهبته الشعرية الأصيلة، لذلك فقد تأثر الوعى القازاقى الإجتماعى بمؤلفاته الأدبية وأفكاره المستنيرة؛ فلم يقتصر اهتمام أباى على المجال الأدبى، وإنما كان فيلسوفاً إلى جانب كونه أكبر المفكرين القازاق.

لقد أتاحت له اللغة الروسية التى تعلمها منذ صغره أن يقرأ الأعمال الأدبية لبوشكين وليرمنتوف وكرولوف وتولستوى، وقام بعد ذلك بترجمتها إلى اللغة القازاقية، وقد ساعد ذلك علي اتساع أفقه الأدبي، لذلك فقد كانت قصائده الشعرية معروفة لدى الشعب القازاقى، والكثير منها تحول إلي أغانى قازاقية ما زال يصدح بها الشعب القازاقي، ولذا فإن أدب أباى يعد أهم مصدر من مصادر الثقافة القازاقية الذى يمكن من خلالها التعرف عن كثب على المجال الأدبى، والتعرف علي الثقافة القازاقية الراقية بما فيها من العادات والتقاليد الشعبية المتنوعة.

وكما استوعب اباي الجمال بمبادئه العلمية ولكتاب عظام مثل بيلينيسكي وتشيرنيشيفسكي فانه استوعب افضل مافي ثقافة الشعب القازاقي طوال القرون، حيث كان اهتمامه كبيراً بالتراث العظيم للثقافة الروحية، كما وقف على رأس أكثر الحركات تقدمية في تاريخ الفكر الإجتماعي لشعب قازاقستان. كما وقف آباي بالمرصاد ضد الزيف والخمول ومجانفة النضال، وقد سجل تلك المبادئ السامية في قصائد عديدة، لذلك فقد وجه نضال غضبه ضد البايات والباكاوات الذين عملوا على تجهيل المجتمع واتباع سياسة فرق تسد، كما كان له حساسية خاصة ضد التمييز الإجتماعي الذي كان سائداً في ذلك الوقت.

ولد آباي كونانباي عام 1845، وتوفي عام 1904، في جبال جنكيز بمحافظة سيميبالاتينسك، حيث درس في مدرسة أحمد رضا، وكان مع أقرانه من التلاميذ يقضون جل وقتهم في حفظ القرآن الكريم، وأداء فرائض الإسلام من صلاة وصيام، ومن ثم درس الفقه الإسلامي، واهتم بمحتلف فروع العلم والمعرفة والثقافة، وشيئاً فشيئاً ازداد حبه بالشعر، خاصة بعدما كان يستمع إلى حكايات وذكريات الجدة زيرا، راوية الحكايات القديمة الحية، وحفظ عن ظهر قلب الكثير من الحكايات والأساطير وقصص الأبطال والأغاني التاريخية التي كان قد سمعها في القرية عن الإبداع الفني المتنوع للشعراء الشعبيين والمغنين في سهوب القازاق.

أحرز آباي عن جدارة شهرة الخطيب الذكي الفصيح، واستطاع أن يصبح أحد أهم أساطين فن الخطابة الرائعة، وتعلم تقدير الكلمة الشعرية تقديراً عالياً، واذا كان والده كونانبايف ورفاقه يقدرون أسلافهم فقط من شيوخ القبيلة ويحفظون عن ظهر قلب خطبهم وأقوالهم وحكمهم وأمثالهم، فإن آباي كان علي عكس ذلك، فقد اهتم بالمنشدين الشعبيين، وأتقن نتاج كافة الشعراء والزجالين والنظامين السابقين الذين كانوا يتبارون من أجل الفوز بإمارة الشعر القازاقي.

تعرض آباي إلى صدامات ثورية نقلته من مواقع الرؤية الضيقة لثقافة القرية بحكاياها وأساطيرها، أو بإقليمياتها ودفعت به إلى العالم الخارجي الواسع، حيث التعرف على ما لدى قوميات العالم من ثقافات انسانية، وكانت الإدارة السياسية للمنطقة قلقة كثيراً من الصداقة القوية التي تربط بين آباي والثوار المنفيين، حتي وصلت الأنباء عن آباي باعتباره شخصاً يشكل خطراً على القيصر، حيث كان يشق طريقه بشجاعة وايمان بأسلوب نضاله الجديد.

لم يعش آباي حياة ذاتية قانعة، ولكنه عاش معركة ضارية مع منابع الحياة الكبرى، وقد كرس حياته لتنشئة شخصية مفتوحة قادرة على الإبداع، حيث اغترف من ثلاثة منابع رئيسية، هي: الثقافة الكازاخية القديمة، الثقافة الشرقية التاجيكية والأذربيجانية والأوزبكية، والثقافة الروسية والعالمية. وقد كان اطلاع آباي علي انتاج الشعراء الروس وجوته وبايرون وعموم الكلاسيكيين الغربيين، إلي جانب الإطلاع على الأدب اليوناني والروماني له أثره الكبير على الأدمغة النائمة، حيث عمل علي ايقاظها من ثباتها بالتحلي بالعلم، لذلك فقد عزز قدراته الإبداعية وتلقائية موهبته بالتحلي بالعلم وتوسيع دائرة الوعي والثقافة، حيث ذهب بعيداً إلى حيث دراسة فلسفة سبنسر وسبينوزا ونظرية دارون وأغاني الشعوب وملاحمها وقرأ "مجنون ليلى، فرحات وشيرين، الإسكندر المقدوني"، وأعاد كتابة الملاحم مطوراً بملكته المتميزة.

كتب آباي العديد من مفائس الأدب القازاقي، وأدخل عليها العديد من الموضوعات كالاسطورة في قصيدة الإسكندر المقدوني، كما كتب قصيدة "مسعود" روي فيها قصة عن هارون الرشيد، اضافة إلى قصص ونكبات قد ألمت به وعبر عنها بشكل دامع ومؤثر كما وصف الطبيعة والبيئة والفصول، مع تأكيده لموقفه الأخلاقي النبيل من المرأة واحترامه لها، فقد تعني بالجمال في صيغة البحث عن اللآنهاية، واللآمرسى، وعن التيه في العيون الجميلة التي ترمز لصورة الحياة الرائعة الجمال.

يأتي هذا العام 2020، ويحمل معه ذكري مرور 175 عاماً علي مولد آباي كونباي، حيث يحيي القازاق ذكري تلك الشخصية الوطنية التي حفظت للقازاق تراثهم الثقافي الثري، والذي شكل رمزاً لكفاحهم ونضالهم ضد قوي الهيمنة، كما جسد روح العزيمة والإصرار بالحفاظ علي الهوية القومية القازاقية التي نشأت علي أرض السهوب الواسعة، فكانت رمزاً للحرية التي يتغني بها القازاق دائماً في ملاحمهم.

إرسل لصديق

ads
هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري
ads
ads