رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
د جيلان شرف
د جيلان شرف

كلنا لبنان....

الجمعة 14/أغسطس/2020 - 08:21 م
أرتفع وامتزج الدخان الأبيض مع الأسود لم يفرق بين طفل أو امرأة أو شيخ، الكل تلقى صدمة انفجار مرفأ بيروت دون إنذار، لبنان الذي يعاني من اضطرابات اقتصادية منذ 17 أكتوبر الماضي حتى التفجير الذي وقع يوم 4 أغسطس 2020 مرورا بالطبع بجائحة كورونا، لم يشهد لبنان خسائر مثل الذي شهده نتيجة لهذا الدمار منذ 47 عام حيث اندلعت الحرب الأهلية في السبعينيات أي منذ عام 1975 حتى التسعينيات، حيث بدأ القتال أولا بين الموارنة والقوات الفلسطينية ومعظمهم من منظمة التحرير الفلسطينية عام 1975، نتيجة لنزوح الكثير من الفلسطينيين إلي لبنان بعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ 1948 و 1967، مما كان له دور في خلق توازن العوامل الديموجرافية فيما بين سكان لبنان من حيث زيادة أعداد المسلمين، في ظل أن الصلة بين السياسة والدين ترسخت منذ الاستعمار الفرنسي للبنان من 1920 حتي 1943، فقد أقامت فرنسا دولة تحكمها الطائفة المارونية المسيحية، تحت اسم (لبنان الكبرى)، ويشير التاريخ أن دولة لبنان تم اقتطاعها من بلاد الشام (سوريا الكبرى) التي تضم سوريا والأردن ولبنان وفلسطين المحتلة، وأقيمت فيها حكومة مارونية، ونظراً لوجود أكثرية مسلمة بين سنة وشيعة، خاصة في المناطق الساحلية، ووجود الدروز في جبل العرب، لم يعد المارونيون يمتلكون شرعية الاستمرار في الحكم.

وفي عام 1943، تم توقيع اتفاقية "الميثاق القومي" الذي ينص على أن يكون تمثيل المسيحيين إلى المسلمين في البرلمان بنسبة 5 مسيحيين، مقابل 6 مسلمين، وأن يكون رئيس الدولة مارونياً بشكل دائم، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان مسلماً شيعياً.

وفي عام 1970م، بدأ عدد المارون يقل، وصولاً إلى نسبة الثلث تقريباً، فيما باتت أغلبية الثلثين من المسلمين الشيعة والسنة، الذين طالبوا بحقوقهم السيادية في الدولة اللبنانية.

مقابل ذلك، شكّل المارون ميليشيات مسلحة من أجل الاستمرار في الوضع الراهن، وفرضه على اللبنانيين، كما شكل المسلمون السنة والشيعة، وحتى الدروز؛ ميليشيات خاصة بهم، لفرض التغيير.

وفي خضم هذا التوتر الداخلي، قام (العاهل الأردني) الملك حسين، بطرد الفلسطينيين المسلحين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية، عبر مواجهات مسلحة عُرفت باسم (سبتمبر (أيلول) الأسود)، ما أدى إلى دخول الفلسطينيين المسلحين إلى لبنان.

وفيما رحبت الميليشيات المسلمة بالفلسطينيين المهجرين من بلادهم، حاول اللبنانيون المسيحيون إخراجهم من البلاد، بحجة أنهم يعطلون الحياة اللبنانية، وخوفاً من أن يشكل اتحاد الفلسطينيين مع الميليشيات المسلمة قوة قادرة على تغيير التقسيم السياسي في لبنان.

ومن هنا نتفهم أسباب الفتنة الطائفية التي اختلطت فيها الأمور الدينية بالأمور السياسية، التي بدأت بعمليات فردية صغيرة، لم تلبث أن تحولت إلى عمليات كبيرة منظمة ومخطط لها حيث اندلعت هذه الحرب عام 1975بعد محاولة فاشلة لاغتيال الزعيم الماروني "بيار الجميل" وانتهت بمقتل مرافقه، ومن ثم مقتل 27 شخص غالبيتهم العظمي من الفلسطينيين كانوا يستقلون حافلة وعُرفت بحادثة "عين الرمانة".

ومن ثم انقسم لبنان إلى منطقتين، المنطقة الجنوبية والغربية، تحكمها الميليشيات المسلحة المسلمة، مدعومة بالفلسطينيين المسلحين، فيما باتت المنطقة الشمالية والشرقية تحت السيطرة المارونية.

وعندما كانت الميليشيات المسيحية على وشك خسارة الحرب الأهلية عام 1976م، طلب (الرئيس اللبناني في ذلك الوقت) إلياس سركيس من الحكومة السورية، التدخل العسكري في محاولة لإيقاف الصراع الدموي الناشب.

ولكن خلال هذه المدة، نفذت الميليشيات المسيحية بدعم عسكري من قوات الجيش السوري مجزرة عُرفت باسم (مجزرة تل الزعتر) بحق الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1976م، قتلت خلالها نحو 2000 فلسطيني، فيما رد المسلحون الفلسطينيون بقتل 350 مسيحياً.

وفي عام 1978، تم فرض وقف إطلاق نار بين الفصائل حتى 1981م، وانتشرت القوات السورية في العاصمة بيروت وفي وادي البقاع ومدينة طرابلس التي تعد أكبر ثاني المدن اللبنانية، واحتلت القوات الإسرائيلية أجزاء من لبنان، وصولاً إلى بيروت، بحجة ملاحقة منظمة التحرير الفلسطينية، وأدت الحرب المشتعلة ووقوف الميليشيات المسيحية المدعومة من قبل (إسرائيل) ضد المقاومة الفلسطينية إلى خروج الفلسطينيين من لبنان.

أقامت القوات السورية تحالفا مع الميليشيات الشيعية المسلحة لإعداد مقاومة لبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وانسحبت القوات الإسرائيلية من بيروت، وسيطرت الميليشيات الشيعية على عدة مناطق جنوب لبنان. وخلال عام 1987م، أعادت القوات السورية سيطرتها على وسط بيروت، فيما كانت لا تزال الميليشيات المسيحية تسيطر على مناطق في بيروت الشرقية ومحيطها.

إذن شهد ت لبنان صراعا مسلحا بين ثلاثة أطراف هم: الجبهة اللبنانية بزعامة "كميل شمعون" -الرئيس الأسبق وزعيم حزب الوطنيين الأحرار-وهيمن عليها "المسيحيون الموارنة" وكانوا يتلقون المعونة من سوريا ومن ثم اسرائيل، وكانت الميليشيات التابعة لتلك الجبهة تسمي "بالقوات اللبنانية" ويقودها "بشير الجميل" ولها دورها الأساسي في الحرب. أما الطرف الثاني فهي مجموعة "الحركة الوطنية اللبنانية"، ويقودها كمال جنبلاط السياسي الدرزي، بينما الطرف الثالث والأخير هي "منظمة التحرير الفلسطينية" بجميع قواها وأطيافها التي تحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية. ولابد أن نشير إلى أن التحالفات أثناء الحرب كانت متغيرة وليست ثابتة.

وانتهت هذه الحرب بإعلان "اتفاق الطائف" عام 1989 الذي تم بمدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، وخلص الإعلان إلى أن يكون تمثيل المسيحيون والمسلمون بالتساوي أي 50% لكل منهما، وتم تقوية صلاحيات رئيس الوزراء المسلم، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، بينما انتشر الجيش السوري في جميع أراضي لبنان حتى عام 2005.

شهدت لبنان استقرارا في فترة تولي "رفيق بهاء الدين الحريري" رئاسة الحكومة الأولى من 1992 حتى 1998، والفترة الثانية من 2004 حتى 2004، وقد قام بإعمار وسط بيروت بعد الحرب الأهلية، من خلال مشروع حمل اسم "سوليدير”، مما أعاد للبنان مكانته الاقتصادية والسياحية في العالم العربي والغربي، واسترجع الأراضي المحتلة من قبل الاسرائيليين. إلا أن اغتيال الحريري في 14 فبراير 2004 أعاد سحابة الاضطرابات إلى لبنان وخاصة بعد إثارة الشكوك حول تورط سوريا وجهات أمنية لبنانية في تدبير الحادث.

لم تشهد لبنان استقرارا حيث حدثت الكثير من التوترات، و دخل لبنان في حرب عام 2006 و ذلك في 12 يوليو، و اختلفت تسميتها كلا حسب اجندته، فأطلقت عليها بعض وسائل الإعلام العربية "الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006" أو "العدوان الإسرائيلي على لبنان" وفي وسائل الإعلام الأجنبية "مواجهة إسرائيل-حزب الله 2006" ، وهي العمليات القتالية بين حزب الله اللبناني وقوات جيش الدفاع الإسرائيلي والتي استمرت 34 يوما في مناطق مختلفة من لبنان، خاصة في المناطق الجنوبية والشرقية وفي العاصمة بيروت، وفي شمالي إسرائيل، في مناطق الجليل، الكرمل ومرج ابن عامر. وكانت الحرب تؤثر على منطقة هضبة الجولان أيضا. ثم استقرت لبنان استقرار الآرجوحة.

إلا أن الكيل فاض باللبنانيين وثاروا على الأوضاع الاقتصادية المتردية في 17 أكتوبر 2019، وتقدمت حكومة سعد الحريري بالاستقالة وتولى رئاسة الحكومة حسن دياب الذي ينتمي إلى حزب الله الشيعي. وكانت الطامة الكبرى بالانفجار الذي شهده لبنان يوم 4 أغسطس 2020 والذي أودى بحياة المئات، والآلاف من الجرحى والمفقودين والمشردين. وأثار هذا الانفجار الكثير من التساؤلات، وأشار بأصابع الاتهام أولا إلى اهمال الحكومة بترك مثل هذه المواد في ميناء بيروت، وثارت همهمات بين القوى السياسية عن علاقة الانفجار بتوقيت النطق بالحكم في قضية مقتل رفيق الحريري الذي كان مخطط له في السابع من أغسطس 2020. وأشار البعض بأصابع الاتهام إلى إسرائيل، وهل ما حدث هي ضربة موجهه من إسرائيل كما جاء في مقالة للكاتب ريتشارد سلفرشتين Richard Silverstein بتاريخ 4 أغسطس 2020 أي في نفس يوم الانفجار تحت عنوان "إسرائيل تفجر بيروت" Israel Bombed Beirut، حيث أشار في مقاله أنه حصل علي هذه المعلومات من مصدر مسئول و أن اسرائيل استهدفت مخزن للسلاح تابع إلى حزب الله، وذكر بالنص بأن المخابرات الاسرائيلية لم تكن تعلم – وإن كانت تعلم فهي لا تهتم – Thus they did not know (or if they did know, they didn’t care) بوجود 2700 طن من نترات الأمونيوم التي تستخدم في الزراعة، فالمخابرات الاسرائيلية ارتأت ان تشبع غرور بنيامين نتنياهو Bibi Benjamin Netanyahu ولم تهتم بإيقاف العملية، www.richardsilverstein.com/2020/08/04breaking-israel-bombed-beirut. مع الفارق في الخسائر مثلما حدث للسفينة تايتنك، فرغم التحذيرات إلا أنهم لم يبالوا واصطدمت السفينة بالجبل الجليدي، وتتشابه هذه التفجيرات مع تفجيرات قامت بها اسرائيل في لبنان عام 1982. والملفت للنظر أن "الرئيس ترامب" غرد بأن ما حدث في لبنان هو هجوم، بينما نفي البنتاجون ذلك.

وسارع رئيس فرنسا "ماكرون: بالذهاب إلى لبنان بعد الانفجار بيوم ليواسي الشعب اللبناني، فكما أشرنا توجد علاقة بين فرنسا ولبنان قبل أن الاستقلال عام 1943 بعد ان تخلص لبنان من الحكم العثماني عام 1920. بل ونادى ماكرون بعقد مؤتمر دولي عبر الفيديوكونفرنس تشارك فيه دول العالم لاعمار بيروت وتم تخصيص 252.7 مليون يورو لهذا الغرض.

السرد التاريخي ودراسة حالة لبنان وما يحدث في المنطقة العربية سواء في سوريا أو العراق أو فلسطين أو اليمن، وأطماع إيران في الخليج العربي، يجعلنا نفكر كثيرا في اتخاذ كافة الاجراءات لحماية أوطاننا وأولادنا من القوي الطامعة في أراضينا وثرواتها، فأمن هذه البلاد أمن قومي لبلدنا مصر.

حفظ الله لبنان وجميع البلدان العربية وحفظ الله مصر وشبابها وشعبها الواعي لما يحيط بنا من أخطار، وندعو الله أن يجنبنا الانخراط في مهاترات يكون ثمنها باهظاً لا نستطيع سداده، وتحيا مصر، تحيا مصر، تحيا مصر شعبا وجيشا.

إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads