رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

موروث طاجيكستان الحضاري

الأربعاء 09/سبتمبر/2020 - 01:06 م
تعد طاجيكستان من مواطن الحضارات الهامة في التاريخ الإنساني، فقد شهدت تلك المناطق نمو عدد من الحضارات القديمة، منذ العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي، كما استوطن أراضي طاجيكستان العديد من الممالك من أتباع الديانات والثقافات المختلفة، بما في ذلك حضارة أوكسوس، والبوذية، والنسطورية، والزرادشتية، والمانوية، كما حكم طاجيكستان العديد من الإمبراطوريات والسلالات، أهمها الإمبراطورية الأخمينية، والسامانية، والمغولية، والروسية. وقد انكس ذلك التاريخ العريق علي ثقافة وهوية طاجيكستان، فكانت موطن للمبدعين والأدباء والفلاسفة والعلماء الذين أسهموا بشكل كبير في الحضارة الإنسانية.

ينتسب الطاجيك إلي الشعوب الآرية الذين يرتبطون بعلاقات المودة مع الفرس والكرد والأفغان، حيث تتسم تلك الشعوب بالقوة والبأس الشديد، وذلك كما جاء في وصف الرحالة العربي ابن بطوطة عند زيارته لمدينة بدخشان وما حولها من بلاد. وقد استخدم الأتراك في العصور الوسطي كلمة "تاجيك" للتعبير عن الشعوب الناطقة باللغات الإيرانية، ومع بداية القرن الحادي عشر الميلادي، تم استخدام الكلمة للتعبير عن الشعوب الإيرانية الشرقية، ومن ثم أصبحت مع حلول القرن الخامس عشر الميلادي تشير إلى الناطقين بالفارسية، وخلال العصور الوسطي، ظهرت كلمة "تاجيك" في الكتابات الفارسية كمرادف لكلمة "فارسي"، وكتحديد للهوية الذاتية.

ترجع الثقافات في المنطقة إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، حيث شمل العصر البرونزي مجمع أثري باكتريا مارجيانا وثقافات الأندرونوفو والموقع الأثري سرازم، والتي تعد ضمن التراث الإنساني لليونسكو. كما أن أقرب تاريخ مسجل في المنطقة يعود إلى عام 500 قبل الميلاد، حيث كانت طاجيكستان الحديثة جزءاً من الإمبراطورية الأخمينية. وخلال القرنين السادس والسابع قبل الميلاد شكلت أجزاء من طاجيكستان الحديثة وخاصة الأراضي في وادي زرافشان جزءاً من كامبوجاز، التي كانت تعد أحد أهم القبائل في العصر الحديدي الهندي، والتي حكمت المنطقة قبل أن تصبح جزءاً من الإمبراطورية الأخمينية بعد غزو المنطقة من قبل الإسكندر الأكبر، ومن ثم أصبحت جزءاً من المملكة الإغريقية البخترية التي ورثت امبراطورية الإسكندر.

شكلت مدن خوجند وبنجكنت في شمال طاجيكستان جزءاً من مملكة سوقديانا، حيث حكمت المنطقة مجموعة من الدويلات التي سيطر عليها القبائل البدوية السكوثيون واليوتشي عام 150 قبل الميلاد. وقد شكلت أراضي طاجيكستان محطة هامة علي طريق الحرير القديم، وبعد تعرض البلاد لغزو المستكشف الصيني تشانغ تشيان في عهد الإمبراطور وو، الذي عاش خلال الفترة من عام 141 إلي عام 87 قبل الميلاد، حيث ازدهرت العلاقات التجارية بين مملكة هان الصينية وسوقديانا.

حكمت الدولة السامانية طاجيكستان من عام 819 إلي عام 999 م، حيث كان مركز الدولة خراسان، وضمت إليها معظم بلاد ما وراء النهر "ىسيا الوسطي الحالية والتي تضم كلاً من كازاخستان، تركمانستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، إلي جانب طاجيكستان"، وكذلك أفغانستان وإيران. حيث تأسست الدولة السامانية من الأراضي التي كان يحكمها الأشقاء الأربعة نوح، أحمد، يحيي، إلياس" من اتحاد الأراضي التي كان يحكمها هؤلاء الإخوة، بعد أن كان كل واحد منهم يحكم منطقة من تلك البلاد تحت سلطة الخلافة العباسية، واستطاع إسماعيل بن أحمد الساماني الذي حكم خلال الفترة من عام 892 إلي عام 907 م، أن يوحد تلك البلاد عام 982 م، وينفصل بها عن سلطة الدولة العباسية بعد أن أنهي النظام الإقطاعي الذي كان سائداً في عهد من سبقه من الأسرة السامانية.

ازدهرت الحياة الإقتصادية ومعها ازدهرت الآداب والفنون والعلوم في طاجيكستان في عهد الدولة السامانية، وخاصة في عهد إسماعيل بن أحمد، وبرزت أسماء تركت موروث أدبي كبير مثل الرودكي والفردوسي، ومعها برزت هوية وثقافة مستقلة ومميزة للشعوب المنضوية في الدولة، ومن ثم انتشرت تقاليد وثقافة الشعوب الناطقة بالفارسية في مختلف العالم الإسلامي.

استطاعت طاجيكستان بعد الإستقلال أن تحقق طفرة كبيرة في سبيل التطور، فعلي الرغم من فترة التحولات الصعبة التي مرت بها البلاد خلال السنوات الأولي للإستقلال. فقد عملت علي تطوير اقتصادها الذي يعتمد علي زراعة المحاصيل والخضروات والفواكه، والحمضيات، كما يحمل القطن الطاجيكي علامة تجارية عالمية وذلك منذ عهد الإتحاد السوفيتي، إلي جانب الثروة الحيوانية الكبيرة من الماشية، والأغنام، والماعز، والأبقار، والخيول.

تنتج طاجيكستان نحو 500 ألف طن سنوياً من الألمونيوم، بالإضافة إلي العديد من المعادن في مقدمتها الفحم، والزنك، والرصاص، والحديد، والزئبق، واليورانيوم الذي تُشكّل احتياطياته نحو 16 % من إجمالي الإحتياطيات العالمية، وكذلك الذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، والنفط والغاز، ومن ثم تطورت صناعات الألومنيوم، والمنسوجات التي تعتمد علي القطن والحرير، والصناعات الغذائية، والأسمنت. بالإضافة إلى استخراج الغاز الطبيعي في وادي نهري وخش وجيسار.

كما استطاعت طاجيكستان الإستفادة من جغرافيتها الجبلية، وما يتوفر لديها من موارد مائية ضخمة، جعلتها في المركز الثامن على مستوى العالم والمركز الأول على مستوى دول آسيا الوسطى من حيث مخزوناتها من المياه، حيث تمر عبر أراضيها 65% من موارد المياه في منطقة آسيا الوسطى. استفادت طاجيكستان من تلك الموارد وعملت علي إنشاء العديد من السدود لتوليد الكهرباء، حيث تصل القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة من مخزونات الموارد المائية في طاجيكستان 527 مليار كيلووات سنوياً، وتعطي طاجيكستان الأولوية في استغلال هذه الموارد ببناء المحطات المائية لإنتاج الطاقة الكهربائية لتلبية الاحتياجات الداخلية وتصدير الفائض منها إلى أفغانستان وباكستان وإيران وغيرها من الدول المجاورة.

تمتلك طاجيكستان موروث حضاري عريق، ولذلك استطاعت أن تتطور سريعاً شأنها في ذلك شأن الدول صاحبة الحضارة العريقة، فالموروث الحضاري هو تراكم للتجارب والخبرات التي اكتسبتها الأمم طوال تاريخها الطويل، وقد استطاعت طاجيكستان أن تستفيد من تاريخها وحضارتها في تطوير بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، وتبني دولة عصرية بسواعد أبنائها، وتسير بخطوات ثابتة في طريق التطور والازدهار.

إرسل لصديق

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري

هل تتوقع نجاح حسام البدري مع المنتخب المصري
ads
ads