رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

"تركيا ورسائل التقارب"

الأربعاء 23/سبتمبر/2020 - 01:01 م
بعد أن وصل التوتر إلي مرحلة حرجة يصعب التوقع بما يمكن أن يؤدي إليه هذا التوتر في منطقة الشرق الأوسط المتخمة بالمشكلات المعقدة، نظراً لتداخل القضايا ببعضها البعض، وكذلك كثرة التدخلات الإقليمية والدولية في قضايا المنطقة الملتهبة. يعود الحديث مرة أخري عن العلاقات بين مصر وتركيا باعتبارهما من أكبر القوي الإقليمية التي يرتكز عليهما السلام والإستقرار في المنطقة.

تركيا التي تكاثر الأعداء من حولها خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد التوتر الحاصل في شرق المتوسط، اتخذت مواقف أكثر براجماتية، وحاولت التخفيف من سخونة المواقف، وذلك عندما قامت بسحب سفينة الأبحاث والتنقيب التركية "أوروبس ريس" والسفن الحربية المرافقة لها من المناطق المتنازع عليها مع كل من اليونان وقبرص، وعودة السفينة إلى ميناء أنطاليا جنوب تركيا.

وبصرف النظر عما إذا كان ذلك القرار نتيجة للتجاوب مع المطالب الأوروبية قبل الدخول في مفاوضات بين الإتحاد الأوروبي وتركيا بشأن ذلك الخلاف وغيره من القضايا العالقة بين الجانبين، أو كان ذلك القرار لإجراء صيانة لسفينة التنقيب كما ذكر ذلك وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو. فإن قرار سحب سفينة الأبحاث والتنقيب من المنطقة المتنازع عليها يعد من القرارات الصائبة التي تصب في تهدئة الأوضاع، وإعطاء فرصة للمفاوضات للوصول إلي تسوية سلمية.

تصريحات ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي أردوغان، عبر وكالة الأناضول التركية في 12 سبتمبر 2020، والتي أكد فيها علي ضرورة أن يكون هناك تواصل بين مصر وتركيا بصرف النظر عن أي خلافات سياسية قائمة، تلك التصريحات من مسئول تركي بهذا الحجم تعكس مدي أهمية الدور المصري في استقرار المنطقة، واعتراف تركي بأن الخلاف بين تركيا ومصر أضر بتركيا كثيراً، وأن هناك تفكير جدي بين المسئولين الأتراك علي ضرورة وجود تنسيق وتعاون بين البلدين علي المستوي السياسي، ولا يكتفي بالعلاقات الإقتصادية والثقافية في حدودها الحالية.

بعد تصريحات ياسين أقطاي جاء حديث وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، خلال مشاركته في برنامج "منطقة محايدة" على قناة "سي إن إن ترك" مساء 16 سبتمبر، أي بعد أربعة أيام من حديث مستشار الرئيس التركي، لتبعث برسالة ثانية تزيد من نبرة المودة تجاه مصر، خاصة أنه تحدث بمودة عن مصر، وذلك عندما قال "مصر لم تنتهك في أي وقت الجرف القاري لتركيا في اتفاقيتها التي أبرمتها مع اليونان وقبرص بخصوص مناطق الصلاحية البحرية... وأن مصر احترمت حقوقنا في هذا الصدد، ومن ثم لا أريد أن أبخسها حقها بدعوى أن العلاقات السياسية بيننا ليست جيدة للغاية، وبالتالي فإن إبرام اتفاق مع مصر بهذا الخصوص يقتضي تحسن تلك العلاقات السياسية".

جاءت الرسالة الأقوي للتقارب مع مصر من رأس السلطة السياسية في تركيا بعد يومين من تصريحان وزير الخارجية، في 16 سبتمبر، وذلك عندما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "أن الحوار بين مصر وتركيا أمر ممكن"، الأمر الذي يشير إلي تحول كبير في موقف تركيا تجاه مصر، خاصة بعد أن أعلنت تركيا عن رغبتها في توقيع اتفاق مع مصر بشأن الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، بعد إجراء حوار سياسي حول القضايا العالقة بين الجانبين.

مصر وتركيا من أكبر القوي الإقليمية بما تملكانه من قدرات وامكانات وموارد بشرية وطبيعية، يضاف إلي ذلك الموروث الحضاري الكبير لكلا الشعبين، وغياب علاقات التعاون والتنسيق بينهما من شأنه أن يفسح الطريق لقوي أخري بملئ هذا الفراغ الحاصل عن غيابهما. وهذا التواجد الخارجي، أو من بعض الأطراف التي لا تمتلك قدرات القيادة، يزيد من تفاقم الأوضاع وحدة المشكلات لأنها إما تسعي إلي تحقيق مصالحها وحسب، والتي بالطبع ستكون علي حساب دول المنطقة، أو تسعي إلي زعامة زائفة، ومن ثم تتسبب في اختلاق المشكلات وتوتر الأوضاع، وهو ما يحدث الان.

خلال السنوات الأخيرة تعرضت العديد من الدول العربية لحالات من عدم الإستقرار الداخلي وبدرجات متفاوتة، وصل بعضها لحروب أهلية كما هو الحال في سورية وليبيا واليمن، ومما يثير الدهشة أن مشكلات وقضايا العالم العربي يتم التفاوض بشأنها دون أي حضور عربي فاعل، وإن تواجد ذلك الحضور فإنه يكون علي استحياء، والإكتفاء بشرف التمثيل دون فاعلية في القضايا العربية المصيرية.

تركيا التي تحارب علي أكثر من جبهة في سورية، وليبيا، وشرق المتوسط، بالإضافة إلي حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق الأناضول، باتت تشعر بأن استمرار سياسة المواجهة والتصعيد بدأت تأتي بنتائج عكسية، ولابد لتركيا التي حققت طفرة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخها الحديث خلال الفترة التي وصلت بمشكلاتها مع جيرانها إلي الصفر "سياسة تصفير المشكلات". أصبح عليها إعادة حساباتها من جديد، وتحويل سياسة العداء مع الجيران إلي صداقة وتعاون مثمر للجميع، من أجل الحفاظ علي مكتسباتها التي تحققت خلال السنوات الماضية. وأول ألأطراف التي لابد من الرجوع إليها هي مصر باعتبارها القوة الإقليمية الوحيدة التي تتبع سياسة معتدلة، وتلقي الإحترام والتقدير من جميع القوي الدولية والإقليمية.

تمتلك مصر علاقات قوية مع الولايات المتحدة وروسيا والإتحاد الأوروبي والصين، كما أنها لم تتورط في أي من الصراعات الإقليمية، ولولا غياب دورها القيادي خلال السنوات القليلة الماضية، نظراً لإنشغالها بأحوالها الداخلية، لكانت أغلب قضايا ومشكلات المنطقة ما وصلت إلي ما هو عليه الآن من تطاحن واحتراب أهلي، أو علي الأقل لكان لمصر دور هام في تسوية أغلب قضايا ومشكلات المنطقة التي تأثرت كثيراً بغياب الدور المصري، حيث عبثت بعض الدول التي لا تؤهلها مكانتها وقدراتها علي لعب دور الوسيط النزيه، ففرضت نفسها كداعم لطرف علي حساب طرف آخر، الأمر الذي زاد من تعقيد الكثير من المشكلات في العديد من دول المنطقة، فتفاقمت مشكلاتها ووصلت إلي ما عليه الآن.

خلال سنوات القطيعة والخلاف بين البلدين، لم تتخذ مصر أي إجراء يضر بالمصالح التركية، وظلت مصر كما هو معروف عنها تتبع سياسة رصينة تجاه تركيا، وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية التركي. في المقابل فإن تركيا تجيد براجماتية اللعب علي المتناقضات كما هو الحال مع كل من روسيا وإيران، حيث تختلف معهما اختلافاً جذرياً في الملف السوري، ورغم ذلك فإنها تتعاون معهما في الملف السوي، وتقيم علاقات اقتصادية وسياسية قوية معهما. وهذا ما يجعل تركيا تعيد حساباتها مرة أخري مع مصر.

قد تكون تصريحات المسئولين الأتراك بشأن ضرورة أن يكون هناك تواصل وتعاون بين مصر وتركيا قد تأخرت بعض الوقت، إلا أنه يمكن القول "أن تأتي متأخراً أفضل مما أن لا تأتي"، فإن تلك الخطوة تشكل أهمية كبيرة بشأن استقرار المنطقة، خاصة إذا ما تم ترجمة الأقوال إلي أفعال، وتم اتخاذ خطوات عملية في سبيل تخفيف حدة الخلاف بين مصر وتركيا، الأمر الذي بدوره سيكون له نتائج ايجابية كبيرة ليس للبلدين وحسب، بل لجميع دول المنطقة.

تركيا لديها العديد من المبادرات التي يمكن من خلالها التقارب مع مصر، ولعل ملف شرق المتوسط حيث تم سحب سفينة الأبحاث والتنقيب "أوروبس ريس" والسفن الحربية المرافقة لها تكون البداية، والعمل علي توقيع اتفاقية ترسيم للحدود البحرية بين البلدين، وكذلك الملف الليبي ثم باقي الملفات وهي كثيرة بين البلدين، والتي يمكن من خلالها تحقيق تقدم كبير وملموس فيها بجهد يسير، خاصة أن المصالح التي تتحقق من التقارب بين مصر وتركيا أكبر بكثير من المصالح التي تتحقق بالتباعد بينهما.

إرسل لصديق

هل تتوقع وجود علاج لكورونا قبل نهاية العام

هل تتوقع وجود علاج لكورونا قبل نهاية العام
ads
ads