رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

"يوم اللغة الأوزبكية"

الإثنين 19/أكتوبر/2020 - 09:55 م
تمتلك اللغة- أية لغة- قداسة الكائن البشري، وبها يرتبط تميزه وارتقاؤه وتقدمه، والحزن علي انقراض لغة ما لا يقل عن الحزن علي انقراض الجنس البشري، فاللغة هي محور منظومة الثقافة والفكر والإبداع، والسلاح الذي نخوض به صراع الحضارات والثقافات، أو الحوار فيما بينهم، واللغة هي الأداة الأساسية للحفاظ علي الهوية والخصوصية الثقافية والفكرية.

تعد اللغة الأوزبكية فرع من شجرة اللغات التركية، حيث ترجع اللغات التركية كلها في أصولها إلى شجرة اللغات الألطائية التي تنتسب جغرافياً إلي سلاسل جبال الأورال التي تفصل قارة أوروبا عن قارة آسيا، وجبال الألطاي في وسط القارة الآسيوية، وأهم اللغات التي تدخل في هذه الأسرة اللغوية هي اللغات المجرية، والفنلندية، والمغولية ومجموعة اللغات التركية "الأوزبكية، الآذرية، الكازاخية، التركمانية، القيرغيزية". وتقوم وحدة هذه اللغات علي أساس اشتراكها في عدد من الخصائص اللغوية والبنيوية، ففيها يلعب التوافق الصوتي دوراً هاماً في حركة اللواحق، وتكوين المشتقات.
كما أن كل هذه اللغات هي لغات لاصقة، أي التصاقية أو الحاقية، حيث يوجد جذر أو كلمات أساسية، ولواحق كثيرة، تؤدي عدداً كبيراً من الوظائف النحوية، ويضم المعجم المشترك في اللغات الأورالية الألطائية عدداً كبيراً من الكلمات والمفردات الأساسية في كل الأفرع التركية، والمغولية، والتغوزية.
وخزينة اللغة الأوزبكية غنية جداً من حيث الجذور واللواحق، ويتم ترتيب الكلمات الجديدة فيها عن طريق إضافة لواحق لمصادر الكلمات التي لا تتغير، وتستخدم اليوم أكثر من مائة لاحقة إنشائية في ترتيب الكلمات الجديدة.
مع بداية القرن الثَّاني قبل الميلاد، دخلتْ قبائلُ الهون التُّركيَّة إلي آسيا الوسطي وبدأتْ عمليةَ اندماجهم وانصهارهم مع السُّكان المحليين، واستمرتْ عمليةُ نزوح القبائل التركية التي كانت تعيش في "آلطاي، يتي ساي" علي ضفاف نهر سرداريا إلي أوزبكستان عدة قرون، ونتيجة لذلك دخلت بلاد ما وراء النهر في عداد الخانية "الفارسية- التاجيكية "، ومع أن عملية استخدام اللغة التركية استمرت في المراحل الأولي في بلاد ما وراء النهر، إلا أن السكان بدأوا بالتخاطب باللغات التركية، وأخيراً تشكَّلت اللُّغةُ الأوزبكيَّة من مزيج لغات القبائل التركية، التي سكنت بلاد ما وراء النَّهر وكانت تتكلم بلهجات" قارلون، الأوغوز، القبجاق".
تشكلت اللغة الجغتائية الأويغورية على أساس اللغة الأويغورية القديمة "تشمل اللغة الأويغورية الأورخونية ولغة إديقوت الأويغورية" واللغة الأويغورية القراخانية، وهي لغة أدبية استخدمت من القرن الرَّابع عشر حتى الثلاثنيات من القرن العشرين، وبعد القرن الثَّالث عشر تشكلت لغة جديدة على أساس اللُّغة الأويغوريَّة القديمة واللُّغة القراخانيَّة الأويغورية مع تأثير اللُغة العربيَّة والفارسيَّة بين الشعوب التركيَّة التى تتحدث التركيَّة فى جنوب وشمال جبل تنرى طاغ، وفى آسيا الغربية، وسميت هذه اللغة "لغة جغتاي" على أساس أنَّ هذه اللُّغة تشكَّلتْ بداية فى المناطق التى حكم فيها جغتاي ابن جنكيزخان وأولاده "أي فى البلاد التى يحكمها جغتاي"، فكانت تمتد هذه البلاد من حدود بلاد الأويغور إلى سمرقند وبخارى، وكانت هذه الأراضى تابعة للدولة القراخانية الأويغورية والإديقوتية الأويغورية.
بعد القرن الخامس عشر والسادس عشر استخدمت اللغة الجغتائية فى الشمال الغربي لآسيا فى المناطق التى حكم فيها "جوجى" الابن الأكبر للقائد "جنكيزخان"، وفى مراعى روسيا الجنوبية، وفى المناطق التى حكم فيها أولاد "تيمور"، خلال الفترة من عام 1370 حتي عام 1405، مثل أفغانستان وشرق إيران وشمال شرقى إيران والقبائل التركية فى الهند.
أدَّى المغول وظيفةً تاريخيةً فى توحيد الثَّقافة واللُّغة التى عجزتْ عنها الدولُ والإماراتُ فى آسيا الوسطى، ولولا الغزو المغولي لتلك الأراضي ما كان ممكنًا ظهور لغة "جغتاي"، فعندما تشكَّلت حاكميَّة جغتاي كانت القبائل والشعوب التي تتحدث بالتركيَّة ولهجاتها المختلفة، وكذلك القبائل والشعوب التي تتحدث بالفارسية والعربية تعيش فى المناطق التى تحت حكمه، وقد حكمت اللغة الجغتائية الأويغورية من بداية نهر سرداريا "سيحون" حتى نهر دوناي فى أوروبا الشرقية فترة من الزمن، وكان الخوارزميون الذين يتحدثون باللغة التاجيكية الفارسية شرعوا أن "يتترَّكوا" سريعاً واللغة العربيَّة كان يستخدمها أساساً المهاجرون العرب والعلماء .
وبعد استيلاء المغول استوطن هذه المناطق قبائل تتحدث بالمغولية، ولكن هؤلاء توجهوا أيضاً أن يتتركوا سريعا. لذا اضطر الطوائف الحكماء أن يستعملوا لغة واحدة مشتركة للشعوب التركية، وسميت هذه اللغة باللغة "الجغتائية" التى تشكلت على أساس اللغة التركية المحلية "الأويغورية " وبقبول عوامل من العربية والفارسية والمغولية، وتعتبر اللغة الجغتائية هي اللغة الأويغورية، كما تعتبر اللغة الأويغورية المعاصرة هي الوارث الشرعي المباشر للغة الجغتائية الأويغورية.
كانت اللغة الجغتائية تكتب بالحرف العربي، وبالخط الفارسي تحديداً، وهذا ما يفسر دخول الكثير من الكلمات العربية والفارسية عليها، إلي جانب التداخل الكبير بين اللغات الثلاث خلال فترات زمنية متعددة، عندما تداخلت أنظمة الحكم وخضع أصحاب اللغات الثلاث "العربية والجغتائية والفارسية" إلي حكم نظام واحد .
ويقسم العلماء اللغة الجغتائية إلي ثلاث عصور، كان لكل منها نصيبه من التطور والتأثير والتأثر بالعوامل السياسية والثقافية لتلك العصور:ـ
الأول: عصر ما قبل الكلاسيكية، خلال الفترة ما بين عام 1400 إلي عام 1465 م.
الثاني: العصر الكلاسيكي خلال الفترة ما بين عام 1465 إلي عام 1600 م.
الثالث: العصر ما بعد الكلاسيكي خلال الفترة ما بين عام 1600 إلي عام 1921 م.
ويرجع هذا التقسيم إلي تطور اللغة ونضوجها في عصرها الكلاسيكي على يد الشاعر "مير علي شير نوائي"، حيث تأتي أهمية اللغة التركية الجغتائية كونها لآسيا الوسطى أو بعبارة أخرى اللغة التركية الفصحي، ولغة التخاطب الرسمي، واستمر هذا الوضع حتى عام 1921، حيث تفرعت إلى لهجتين تعتبران الوريثتين للغة الجغتائية، هما اللهجتان الأوزبكية والأويغورية.
ولذلك تعدُّ اللُّغةُ الأوزبكيَّة فرع من شجرة اللغات التركيَّة، حيث إنَّ اللُّغات التُّركيَّة كلها ترجع في أصولها إلى شجرة اللُّغات الألطائيَّة، وفي عام 1929 تمّ تغيير نظام كتابتها من الحروف العربيّة إلى الحروف اللاتينيّة ثُمَ غَيِّرها جوزيف ستالين في العهد السوفييتيّ عام 1940 إلى السيريليّة، وبعد استقلال أوزبكستان عن الإتحاد السوفيتي عام 1991، قررت عودة كتابة اللغة الأوزبكية بالحروف اللاتينيّة.

إرسل لصديق

هل تتوقع وجود علاج لكورونا قبل نهاية العام

هل تتوقع وجود علاج لكورونا قبل نهاية العام
ads
ads