رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

دستور كازاخستان رمز الإستقلال والسيادة الوطنية

الخميس 12/نوفمبر/2020 - 01:52 م

كانت السنوات الأولي من استقلال كازاخستان، في أوائل عقد التسعينيات من القرن العشرين، من أكثر الفترات توتراً واضطراباً في تاريخ البلاد، حيث أن فترة تقرير المصير، وما يصاحبها من مضاعفات لأي دولة حديثة الإستقلال كان ما يسبب قلقاً لقيادة كازاخستان التي كانت تتطلع إلى بداية مشوار عمل شاق لبناء نموذج جديد لمفهوم الدولة، وإقرار اقتصاد السوق بعد انهيار النظام الاشتراكي الشمولي، فقد كانت تلك المرحلة حقبة هامة في تاريخ كازاخستان، حيث شهدت الميلاد الفعلي والحقيقي للدولة الجديدة، ووضع الأسس التي تقوم عليها الدولة، وبداية الإعتراف بها من قبل المجتمع الدولي.
ففي السنوات الأولي من عمر كازاخستان تبلور الهيكل السياسي والقانوني والمؤسسي للنظام الإجتماعي الجديد، كما تحققت الإصلاحات الرئيسية للتحول من النظام الإشتراكي الشيوعي إلى نظام اقتصاد السوق والتنوع الإقتصادي والحرية والديمقراطية، ولذلك كانت فترة التحول تلك مليئة بالتوتر الشديد والضغط الكبير، حيث كانت الأحداث المصيرية في حجمها وأهميتها تتوالي بسرعة كبيرة.
كانت كازاخستان في تلك الفترة تعيش تحولات من النظام الشيوعي الإشتراكي الشمولي إلى مجتمع السوق الحديث، وكان يتعين عليها أن تبدأ من الصفر، حيث كان علي الدول القيام بمهمة التحول من خلال ثلاثة محاور هامة:ـ
الأول: التحول من الإقتصاد الإشتراكي الموجه إلى اقتصاد السوق.
الثاني: التحول من نظام الحزب الواحد في الحكم والإدارة إلى النظام الديمقراطي متعدد الأحزاب.
الثالث: التحول من الوعي التقليدي إلى القيم الليبرالية.
وهذه التحولات كانت تتطلب ليس تحطيم جذري لنظام الدولة السياسي القديم ومنظومتها الإقتصادية، وإنما التغلب علي القوالب الثابتة الجامدة، وأنماط التفكير والمعيشة التي ترسخت لدي المواطنين علي مدار عقود من الزمان وكانت صعوبة هذه المرحلة ترجع إلى أن الإصلاحات كان لابد من فرضها بالقوة، فمن العقبات التي كانت تقف علي طريق الإصلاح جمود الوعي لدي غالبية المواطنين الذين كانوا يخشون حدوث تحولات جذرية جديدة بالنسبة لهم وكانت المقاومة من قبل القطاع المحافظ من رجال الحزب الشيوعي السابقين وعدم توفر المعارف والمهارات اللازمة لدي الإصلاحيين الذين كانوا يتعلمون أثناء العمل.
مع تزايد الصدام بين الحرس القديم، والسلطة الجديدة، بات من الضروري إجراء الإصلاحات الدستورية التي تجسدت في أول دستور لجمهورية كازاخستان والذي صدر في 28 يناير 1993، بعد أن صاحب صياغته ومناقشته معارك سياسية تتعلق بالمبادئ الأساسية للنظام السياسي للدولة، وكاد يتحول الحوار والنقاش بشأن الدستور إلى نزاع سياسي، ومازاد الوضع أكثر تعقيداً هو تحول البلاد إلى مجتمع ما بعد الإشتراكية، الأمر الذي كاد يثير جدلاً كبيراً لذلك كان لابد من الضروري أن تتحول عملية صياغة دستور 1993 ومناقشته وصدوره إلى أهمية قصوي يتم البحث خلالها عن صياغات وسطية تناسب الآراء المختلفة والمتناقضة أحياناً، وكانت النتيجة أن اتسم النص النهائي للدستور بالعمومية الزائدة.
ورغم أن الدستور الجديد الذي صدر عام 1993 قد أقر سيادة كازاخستان من الناحية القانونية، إلا أنه كان في مضمونه عبارة عن تعديلات لدستور جمهورية كازاخستان الإشتراكية السوفيتية الصادر عام 1978، ولذلك كان يحمل طابعاً وسطياً يرضي جميع الأطراف، فحفاظ الدستور علي الآلية الرئيسية للنظام السابق ممثلة في التسلسل الرأسي لمنظومة المجالس وضع الدستور الجديد عملياً قنبلة موقوتة تحت ما نالته كازاخستان مجدداً من سمات الدولة، حيث تشكلت في البلاد ازدواجية في السلطة أدت إلى شل التنمية بها، وكان لابد من إيجاد حل عاجل لها.
لقد كان دستور جمهورية كازاخستان هو الحل الوسط التاريخي من أجل الوفاق الاجتماعي، لإنقاذ البلاد من الفوضي، ولم يحقق الدستور كل التوقعات لكافة أفراد المجتمع، ولذلك كان في ظل استمرار تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في البلاد تحولت ازدواجية السلطة القائمة في كازاخستان إلى أزمة برلمانية انتهت بأن انهارت منظومة المجالس، وأعلن مجلس السوفيت الأعلي في انعقاده الثاني عشر عن حل نفسه، بعد ما بدأ في التصدع منذ الإنهيار الذاتي للمؤسسات الدنيا للسلطة النيابية، حيث اتخذت المجالس المحلية الواحد تلو الآخر يليها مجالس المقاطعات في دورات انعقادها قرارات بالتخلي عن صلاحياتها قبل انقضاء دورتها، كما بدأ قطاع كبير من نواب مجلس السوفيت الأعلي للتنازل عن عضويتهم بالمجلس بعد أن أدركوا ضرورة إصلاح السلطة النيابية علي أساس مبادئ الفصل بين السلطات، وفي الثالث عشر من ديسمبر 1993، تنازل مجلس السوفيت الأعلي في انعقاده الثاني عشر عن صلاحياته قبل انقضاء دورته.
كان مصير مجلس السوفيت الأعلي في انعقاده الثالث عشر، والذي تم انتخابه في السابع من مارس 1994، وهو أول برلمان محترف في كازاخستان، كان مصيره مليئاً بالكثير من التناقضات، فقد بدأ هذا المجلس ممارسة نشاطه في أصعب فترات بناء الدولة، إذ لم يكن مبدأ الفصل بين السلطات قد وصل إلى نهايته المنطقية، كما أن منظومة الضوابط والتوازنات لم تتغير، كذلك لم يتم بشكل نهائي تحديد وضع الرئيس والبرلمان والحكومة، وبعد أن مارس ذلك المجلس عمله بأقل من سنة بقليل، صدر قرار المحكمة الدستورية بعدم شرعيته بسبب الإنتهاكات القانونية الكبيرة التي حدثت خلال العملية الانتخابية، كما لم يكن مجلس السوفيت الأعلي مستعداً لقرار حله بعد مضي عام واحد من انتخابه لذلك اعتزم الدخول في حرب قضائية مع المحكمة الدستورية من أجل الحد من صلاحيات السلطة القضائية لصالح السلطة التشريعية.
تجنباً للصدام بين أجنحة السلطة، اتخذ رئيس الجمهورية بصفته الضامن لحقوق وحريات المواطنين، والحكم بين السلطات، والمسئول عن تنفيذ الدستور والقوانين، قراراً بحل البرلمان، حيث وقع في الحادي عشر من مارس 1995 مرسوماً رئاسياً مؤيداً لقرار المحكمة الدستورية بهذا الشأن، وسعياً وراء منع تفاقم الوضع السياسي والاجتماعي، وتفادياً لتوقف وإصابة سلطة الدولة بالشلل والخروج من هذه الأزمة الدستورية لجأ الرئيس إلى آلية الاستفتاء، حيث أصدر في الخامس والعشرين من مارس 1995 مرسوماً رئاسياً بشأن إجراء استفتاء عام في 29 أبريل 1995، ووفقاً لنص المرسوم تم طرح سؤال عن الموافقة أو عدم الموافقة للتصويت الشعبي العام علي مد الفترة الرئاسية لرئيس الجمهورية حتي الأول من ديسمبر 2000، حيث كان ذلك الإستفتاء بمثابة طرح الثقة بالرئيس نورسلطان نزاربايف ومنحه صلاحيات خاصة لإصلاح كازاخستان، وقد أظهرت نتائج الإستفتاء بشكل قاطع تأييد الكازاخستانيين لمواصلة التغيير بنسبة تجاوزت 95% من المشاركين في الإستفتاء.
بعد أن حصل نزاربايف علي التأييد الشعبي العام، تولي سلطة التشريع في ظل غياب السلطة التشريعية، واستثمر تفويض مجلس السوفيت الأعلي الذي سمح له بإصدار المراسيم التي لها قوة القوانين، فاستطاع في فترة وجيزة سد الفجوة القائمة في مجال القوانين وإنشاء قاعدة تشريعية مؤثرة وضعت الأساس الفعلي للتحديث الشامل للاقتصاد ومواصلة بناء الدولة، حيث أصدر الرئيس نحو 140 مرسوماً لها قوة القانون، ونحو 60 مرسوماً تخص المصادقة علي المعاهدات الدولية، وفي نفس الوقت بادر نزاربايف بصياغة مشروع الدستور الجديد الذي كانت تحتاجه كازاخستان.
في ربيع عام 1995 أصدر الرئيس نزاربايف تكليفاً بتشكيل مجموعة عمل تضم أبرز فقهاء القانون بكازاخستان، وعدداً من الخبراء الأجانب برئاسة شايكينوف لإعداد دستور جديد لكازاخستان، حيث انتهت اللجنة من المسودة الأولي للدستور في الرابع من يوليو 1995، وتم نشره في وسائل الإعلام لإجراء الحوار المجتمعي بشأنها، والذي استمر نحو شهر، وأسفر عن ادخال تعديلات واضافات علي المادتين 55، 98 من المسودة، ثم بعد ذلك تم طرح مشروع الدستور للاستفتاء العام، الذي جري في الثلاثين من أغسطس 1995، وحصل علي موافقة أكثر من 90% من الناخبين.
لم تصل كازاخستان إلى دستور 1995 مباشرة. بل سبَق ذلك دستور عام 1993 وإصدار أكثر من 140 مرسوماً رئاسياً، وسنوات من النضال القاسي مع الناس الذين لم يفهموا ولم يوافقوا على التحولات، ولذلك جاء دستور 1995 بعد نضوج العملية السياسية في البلاد، ووصل شعب كازاخستان إلى درجة عالية من الوعي والإدراك لمصلحة الوطن، ومن ثم كان صدور هذا الدستور تتويجاً لمرحلة الانتقال السياسي من مرحلة بناء الدولة الجديدة إلى مرحلة الاستقرار السياسي.
لقد عالج الدستور الكثير من القضايا الخاصة بتنظيم إدارة الدولة ومسائل الملكية وحقوق وحريات الإنسان، فقد رسخ الدستور الجديد من الناحية القانونية الحكم الرئاسي للبلاد، حيث تضمن ضرورة أن تواجه مؤسسة الرئاسة القوية أي خطر يتهدد وحدة كازاخستان واستقرارها، كما نص الدستور علي مبدأ الحكم الديمقراطي لتوزيع المهام علي السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية، والقضائية، علي أن تتفاعل هذه السلطات فيما بينها من خلال الضوابط الدستورية، حيث حدد الدستور مساحة العمل لكل من هذه السلطات دون تعارض أو تداخل أو هيمنة لسلطة علي الآخري، كما كانت أهم وظيفة للدستور الجديد أنه وضع حجر الأساس للإصلاح، الذي أصبح نقطة تحول هامة في تاريخ كازاخستان الحديث، ولعب دوراً لا يقل أهمية عن دور الإستقلال، حيث شهدت البلاد موجة هائلة من النهضة والتحديث.

إرسل لصديق

ads
هل تتوقع وجود علاج لكورونا قبل نهاية العام

هل تتوقع وجود علاج لكورونا قبل نهاية العام
ads
ads