رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

ظاهرة نزاربايف في التاريخ الحديث

الأحد 29/نوفمبر/2020 - 06:18 م

يرتبط تاريخ بعض الدول بأسماء القادة الذين تركوا بصمات كبيرة في مرحلة ما من تاريخها، فقد ارتبطت الهند باسم غاندي، ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، ولي كوانغ في سنغافورة، ومهاتير محمد في ماليزيا، وغيرهم من الشخصيات التي صنعت أمجاداً خالدة في أوطانها، وبين هذه الأسماء يبرز اسم الرئيس الأول لجمهورية كازاخستان نورسلطان نزاربايف، الذي ارتبط اسمه بتاريخ كازاخستان الحديث.
لم يأتي ارتباط دولة ما باسم شخصية من أبنائها لموقف معين أو لشئ عادي لمجرد أن جاءت به الظروف كرئيس أو حاكم لبلاده في فترة من الزمن، ولكن ترتبط الدولة باسم شخصية صنعت مجداً لبلادها، أو حققت انجازاً طال انتظاره، أو ساهم في وضع بلاده في مكانة لم تصل إليها من قبل، ولم يستطع غيره الوصول بوطنه إليها. فقد استطاع غاندي حشد قوي بلاده وتسخيرها في النضال للتحرر من هيمنة وسطوة الاستعمار البريطاني، كما ضرب نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا أروع المثل في الكفاح والنضال من أجل تحرير بلاده من ظلم وقسوة نظام الفصل العنصري البغيض، وحقق كل من مهاتير محمد في ماليزيا ولي كوان في سنغافورة معجزة اقتصادية وديمقراطية في بلديهما لم يكن تحقيقها لولا جهودهما المخلصة.
يعد الرئيس نورسلطان نزاربايف زعيم من طراز فريد ونادر بين زعماء وقادة دول العالم، فقد نجح في رسم حدود بلاده المترامية الأطراف في محيط ملتهب، ويتعايش مع الدب الروسي والتنين الصيني كدول جوار تربطهما علاقات حسن الجوار، بعد أن رسم حدود بلاده معمها، وخاصة الصين التي عجز الإتحاد السوفيتي أن يقوم بترسيم الحدود معها طوال عقود طويلة، وكذلك مواجهة التحديات الناتجة عن الصراعات في أفغانستان، ومن ثم استطاع تأسيس النهضة الحديثة في البلاد.
استطاع الرئيس الأول نورسلطان نزاربايف قيادة بلاده باقتدار خلال مرحلة هامة ومحورية في تاريخ كازاخستان الحديث، فقد كانت فترة استقلال البلاد عن الاتحاد السوفيتي من أكثر مراحل تاريخها حساسية وخطورة، وكادت البلاد تنزلق إلي حرب أهلية كما حدث في بعض الدول المستقلة عن الإتحاد السوفيتي، وذلك بسبب الصراع بين الحرس القديم المؤيدين للنظام الشيوعي وبين الداعين إلي اقتصاد السوق، والانفتاح علي العالم الخارجي وتحديث الاقتصاد وبناء دولة ديمقراطية عصرية، وكان كل طرف متمسكاً بمواقفه، ولكل طرف أيضاً أدواته التي يعمل بها علي تحريك الأمور بها وإثارة القلاقل التي من شأنها أن تنذر بعواقب كارثية علي مستقبل البلاد.
عمل نزاربايف بحكمته وخبرته السياسية علي إدارة الخلاف بين الأطراف المختلفة باقتدار، خاصة لما كان يتمتع به من مصداقية وقبول لدي كافة الأطراف، وأن يوفق بين أصحاب التيارات المتناقضة، فوضع دستور لكازاخستان كان بمثابة العقد الذي ألف بين جميع فئات شعب كازاخستان بمختلف أطيافه التي تزيد عن مائة وثلاثين قومية دينية وعرقية، وأن يضع أسس سياسية واقتصادية لدولة حديثة عصرية، قائمة علي احترام الجميع للدستور والقانون دون أي تمييز.
ورثت كازاخستان من الإتحاد السوفيتي دولة منهارة علي أنقاض اقتصاد الأوامر الإدارية السوفيتية، فقد كانت خزينة البلاد فارغة عشية الإستقلال، ووصل التضخم إلي مستويات قياسية، وبطالة مزمنة، وفقر علي حافة العدم، وما نتج عن كل ذلك من مشاكل اجتماعية.
استطاعت كازاخستان خلال فترة وجيزة وتحت قيادة الرئيس الأول للبلاد تجاوز مضاعفات فترة التحول من النظام الاشتراكي إلي الانفتاح وتحقيق نهضة اقتصادية وعمرانية وحضارية فاقت كل التوقعات، وأن يشيد عاصمة جديدة بمعايير عصرية في وسط السهوب الكازاخية، وليكون موقع العاصمة الجديدة أول اختيار لشعب كازاخستان بعدما كان اختيار موقع عواصم البلاد في السابق يتم من قبل الغزاة والمستعمرين الأجانب، حتي غدت العاصمة "نورسلطان" مركز الثقل الاقتصادي والاجتماعي، بعدما تم نقله من أقصي الجنوب إلي وسط البلاد المترامية الأطراف، وأصبحت عاصمة عالمية تنافس عواصم العالم الكبري بما تستضيفه من فعاليات عالمية.
لم تتوقف طموحات الرئيس نزاربايف عند الحد الذي وصلت إليه البلاد من استقرار وتقدم وتطور، بل كانت له نظرة أكثر عمقاً لمستقبل بلاده أبعد مما وصلت إليه بكثير، وذلك عندما وضع مجموعة من الخطط المتكاملة لدخول تكون كازاخستان ضمن أفضل 30 دولة من حيث القدرة التنافسية، وذلك من خلال "استراتيجية كازاخستان 2050 "، لتبدأ كازاخستان مرحلة التنافس مع الكبار، ووضع مكانة لها علي خارطة القوي الاقتصادية الكبري في العالم.
كان الرئيس نزاربايف علي قناعة تامة أنه لن يبني كازاخستان سوي سواعد أبناء الأمة الكازاخية، ولذلك فقد راهن علي رأس المال البشري باعتباره أساس النهضة ومحور الإرتكاز في الخيمة الكازاخية، فالإنسان وما يملكه من مهارات ومواهب وخبرات ومعارف هو القادر علي تحقيق مستقبل البلاد المشرق المزدهر، ولذلك فقد اهتم زعيم الأمة بتوفير سبل التعليم الجيد المتميز، والتدريب علي أحدث وسائل التقنيات الحديثة، وصقل المواهب والخبرات لدي الشباب الكازاخي، وخاصة أن كازاخستان كانت تعاني من نقص كبير في الكوادر الفنية في مختلف المجالات وقطاعات الإنتاج. وقد استفاد الرئيس نزاربايف من خبراته العملية في مصنع قاراغندا للصلب، والتي تركت أثراً كبيراً في حياته، حيث كان يعتبر أن العمل والإجتهاد هما أساس النجاح للإنسان والوطن معاً.
اتبع الرئيس نزاربايف طرق التحديث في بلاده القائمة علي الأسس العلمية، والأسلوب المتدرج في ترتيب أولويات التطوير، فبعد وصول كازاخستان إلي مرحلة الاستقرار السياسي وتحقيق مرحلة متقدمة من عملية التطور الاقتصادي، أعلن في 12 ابريل 2017 عن بدء مرحلة التحديث الثالث في البلاد، وهي مرحلة تطوير الوعي الفكري والثقافي، فرغم عملية الانفتاح والتطور التي شهدتها كازاخستان منذ الاستقلال، إلا أن هذا التطور كان قائماً وفق الخصوصية للأمة الكازاخية، والتي يمكن أن نطلق عليها "النموذج الكازاخي" ، وذلك من خلال مراعاة الحفاظ علي العادات والتقاليد والقيم الكازاخية الأصيلة التي تميزها عن غيرها من شعوب العالم المخلتفة.
شكلت جمعية شعب كازاخستان التي أنشأها الرئيس نزاربايف منصة اجتماعية فريدة للحوار بين الأمم والأديان والثقافات، فساهمت في صهر الكازاخستانيين بكل أطيافهم العرقية والدينية والثقافية في بوتقة الوطن الكازاخستاني، ولذلك فقد تحولت كازاخستان إلي مركز عالمي لحوار الأديان، وذلك عندما احتضنت العاصمة "نورسلطان" المؤتمر الأول لقادة الأديان العالمية والتقليدية، والذي يعقد بشكل دوري كل ثلاث سنوات، حيث أصبح حدثاً عالمياً تشارك فيه العديد من الشخصيات الدينية التي لها تأثير كبير في محيطها، للحوار والتشاور حول أفضل السبل للتقارب بين الشعوب.
وضعت كازاخستان لنفسها، وخلال سنوات الإستقلال القصيرة مكانة متميزة علي المستويين الإقليمي والدولي، بفضل ما قدمه الرئيس نزاربايف من مبادرات إقليمية ودولية، كان أهمها تأسيس "مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا "سيكا" التي طرح فكرته ولأول مرة الرئيس الأول لكازاخستان نور سلطان نزارباييف في 5 أكتوبر عام 1992 خلال الدورة السابعة والأربعون للجمعية العامة للأمم المتحدة. وكذلك والمنظمة الإسلامية للأمن الغذائي التي تتخذ من نورسلطان مقراً لها، والتي تهدف إلي إيجاد حلول عملية لمشكلة نقص الغذاء في الدول الإسلامية بفضل ما تملكه كازاخستان من موارد وخبرات في هذا القطاع الحيوي. وكذلك الإتحاد الإقتصادي الأوراسي، إلي جانب المبادرات الدولية، والتي كان أهمها مبادرة كازاخستان في مكافحة الإنتشار النووي التي تقدمت بها كازاخستان للأمم المتحدة وجعل يوم 29 أغسطس من كل عام، يوماً لمكافحة الإنتشار النووي، من خلال برنامج "ATOM"، خاصة بعد أن أصبحت كازخستان دولة رائدة في هذا المجال عندما تخلت طواعية عن الترسانة النووية الضخمة التي ورثتها عن الإتحاد السوفيتي، وإغلاق ميدان سيميبالاتينسك للتجارب النووية، الأمر الذي جعل كازاخستان تحظي بثقة المجتمع الدولي وتستضيف بنك اليورانيوم منخفض التخصيب بإشراف المنظمة الدولية للطاقة الذرية.
جاءت استقالة الرئيس نزاربايف من رئاسة بلاده، في 19 مارس 2019، وقبل أكثر من عام علي انتهاء فترة رئاسته القانونية والدستورية، ورغم أن الجمعية الوطنية "مجلس سينات كازاخستان" منحه حق رئاسة البلاد مدي الحياة، إلا أنه آثر تقديم استقالته طواعية، وزهداً منه في السلطة، بعد أن وصلت كازاخستان لمرحلة الإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وبعد أن أرسي قواعد راسخة من سيادة القانون، مفسحاً المجال لجيل جديد من أبناء وطنه المخلصين لضخ دماء جديدة في شرايين القيادة، واستفادة كازاخستان من فكر جيل الشباب، ذلك الجيل الذي استفاد من الثورة الهادئة التي أطلقها الرئيس نزاربايف في التعليم، فأنتجت أجيالاً علي قدر كبير من العلم والفكر والثقافة والإبداع.
شاءت الظروف أن تأتي استقالة الرئيس نورسلطان نزاربايف من رئاسة كازاخستان في الوقت الذي كانت تشهد فيه الجمهورية الجزائرية حراكاً شعبياً ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقه الذي أقعده المرض عن ممارسة مهام عمله، بل وعن لقاء أبناء وطنه ومخاطبة شعبه، ورغم ذلك إصراره علي الترشح لفترة رئاسية خامسة غير مبالٍ لنداءات ملايين الشباب الذي خرجوا في ثورة سلمية نالت تقدير العالم، تطالب بالتغيير والإصلاح بعد سنوات من الإهمال والتهميش والفساد. كذلك كان الحال في السودان الذي خرج أبناءه مطالبين الرئيس عمر حسن البشير بالاستقالة بعد نحو ثلاثين عاماً قضاها في الحكم لم تحقق البلاد خلالها سوي الإنقسام، وفصل جنوب البلاد عن شماله بسبب سياساته غير الحكيمة، وتفشي الحرب الأهلية والنزعات الإنفصالية في إقليمي كردفان ودارفور، وانهيار الاقتصاد وانتشار الفساد، ولم يري الشعب السوداني أي بارقة أمل للإصلاح، ورغم ذلك تمسكه بالسلطة رغم معارضة الشعب له.
شكل قرار الرئيس نزاربايف المفاجئ بالإستقالة سابقة تاريخية، ونموذجاً يحتذي به في مختلف دول العالم في زهد السلطة، رغم ما كان يمنحه الدستور من مزايا للإستمرار في السلطة مدي الحياة، وغم ما تبقي له من عام كامل علي الاستحقاق الإنتخابي الذي كان مقرراً له في عام 2020، وهذا ما يمثل درساً عملياً للقادة السياسيين وللشعوب علي حد سواء في مختلف دول العالم علي تقديم مصلحة أوطانهم علي مصالحهم الشخصية، وأن الوطن يستحق من القادة التضحية بكل ما يملكون.

إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads