رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
شاهيناز الفقي
شاهيناز الفقي

قراءة نقدية في المجموعة القصصية "أبو ركوة"

الثلاثاء 01/ديسمبر/2020 - 10:42 ص

حين تمتزج السيرة الذاتية بقضايا الوطن والهم الذاتي بالعام، يحمل المنتج الأدبي الطابع الإنساني، يصطبغ بمرارة الواقع، يحاول أن يحلق نحو المستقبل مكبلًا بتجربة الماضي.

"أبو ركوة" للكاتب محمد إبراهيم عبد العاطي هي مجموعة قصصية تطرح قضايا وتثير تساؤلات، تقوم برصد الواقع والغوص في تفاصيله ونزع صفة القدسية عن بعض المسكوت عنه، بأسلوب المكاشفة أحيانا واستخدام الرمز في أحيان أخرى بداية من العنوان وهو كما يطلق عليه النص الموازي أو عتبة النص الأولى، ومن المعلوم أن للعنوان دلالته ومن خلاله يتعرف القارئ ويلج إلى مكنون النص ولو وقفنا على عنوان المجموعة القصصية (أبو ركوة).

-أبو ركوة هو الوليد بن هشام وهو من نسل عبد الملك بن مروان، أمير أموي نشأ بقرطبة ولكن سطوة الحاكم دفعته للفرار إلى مصر، وسمي أبي ركوة لأنه كان يحمل ركوة ماء للوضوء على عادة أهل التصوف، نتيجة لظلم الحاكم بأمر الله في مصر اجتمع أبو ركوة معبعض القبائل ونظم جيشًا للتمرد والثورة وكاد أن ينتصر ولكن نتيجة للخيانة في بعض أفراد الجيش توالت عليه الهزائم حتى قبض عليه وتوفي في الطريق وتم قطع رأسه وصلبه كعبرة للشعب والثوار، انعكس العنوان على معظم قصص المجموعة القصصية، ومن خلاله استطعنا التعرف على الخط الرئيسي لمضمون القصص، الثورة على الأوضاع الاجتماعية والسياسية المحلية والعالمية، الهزيمة التي تلحق بنا ليس عن ضعف إنما عن خيانة،وعلى مر التاريخ نجد أن الهزيمة غالبًا ما تتسلل من باب الخيانة.

-خيانة المبادئ في قصة "كواليس" نجد البطل جهاد الذي تخرج من الجامعة ويبحث عن عمل، يرى أن المجتمع لا يحتفي سوى بالهلفوت واللعيبة ولا يسيطر على مقدرات الأمور سوى الأوغاد، يلتقي جهاد بصديقه فيتساءل من أين له مظاهر العز والثروة، ويجيب هو ذاته عن السؤال قائلًا "ربما ورث" وهذه العبارة البسيطة وهذا التساؤل المنطقي يحمل في طياته الكثير عن الفساد المستشري في المجتمع، ويعكس تساؤلات عن أشخاص يبرزون في الصورة كأصحاب ثروات ومناصب دون سيرة ذاتية مسبقة عن أعمالهم أو عن مصادر ثرواتهم، يعرض الصديق على جهاد عملًا مستغلًا حاجته فيوافق على الفور، وفي حوار بين الصديق وسيدة تعمل معه تسأله عن جهاد وهل هو الشخص المناسب، فيجيبها الصديق:
"ما يقدرش يعمل إلا اللي نكلفه بيه" وهنا يظهر جليًا رؤية الكاتب فيما يطفو على السطح من فساد وما يتعرض له المصري الذي اختار له الكاتب اسم "جهاد" من قهر وسيطرة طبقة اللعيبة والأوغاد.

- ينتقل بنا الكاتب للموروث الديني وثقافة الخوف، المولد في قصة "سيدي أبي ركوة"، الشيخ يرتبط في ذهن الكاتب بالمقرعة وقد تكرر ذكرهما في أكثر من قصة من قصص المجموعة منها قصة هناك خلف الباب، وقصة أبو ركوة حيث يخشى الطفل الصغير من مقرعة الشيخ يحاول أن يفر فتهرول أمه خلفه وتسقط أسفل الوادي ، وحين تسقط للمرة الثانية تكون رأسها باتجاه الجنوب وقدميها باتجاه الشمال، هل الأم هي رمز للوطن "لمصر"، هل الشيخ ومقرعته هما رمزا السلطة الدينية والموروث الديني الذي يتحكم فينا وسبب في التراجع والسقوط ، لا نستطيع الجزم بذلك وإنما يبقى احتمال مطروح و تأويل للنص، ولكن ما نستطيع التأكيد عليههو أن الكاتب يجد في بعض الموروثات الدينية المغلوطة سببًا في التخلف والتراجع.

في قصة حدوتة.. ينسج لنا الكاتب خطوطًا متوازية بين الماضي والحاضر، بين حادثة يتعرض لها شاب من "مدينة السلام " ونلاحظ هنا دلالة العنوان في القصة خاصة بعد أن نعرف أن من أشيائه التي عربدت في الهواء صورة الجندية، الفتى بهرته المدينة فانجذب إليها حتى بُترت أحلامه كما بُترت أطرافه في الحادثة، وهو ذاته ما حدث لحمدان في حدوتة الجدة الذي دفعه فضوله وشغفه لدخول القصر المهجور وبعدما غابت الشمس تاهت أحلامه في ظلام الليل.

صوت الجدة في قصة حدوتههو صوت الماضي الذي يأتي من بعيد لينبهنا ويحذرنا من الاندفاع نحو المجهول يدعونا لقراءة التاريخ والاعتبار بحوادث الماضي.

بالعودة للماضي وأساطيره حيث الجدب والجفاف والفراعنة يسترضون حابي إله النيل بقربان بشري "عروسة النيل" ليفيض عليهم بالخير والنماء، يقف حابي في مواجهة مع بطل قصة "إجهاض حلم اليقظة" يخبره أنه لن يتنازل عن العروس إلا برسالة عمر (نسبة إلى رسالة أرسلها عمر بن الخطاب إلى النيل حين طلب منه المصريين أن يسمح لهم بالتقرب لحابي وإلقاء عروس النيل ويقول فيها "من عبد الله عمر أمير المؤمنين الى نيل مصر.. أما بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك)، وعمر بن الخطاب هو الفاروق رمز العدل في التراث الإسلامي، وهنا نجد أن الكاتب يسقط الماضي على الحاضر والواقع بالخيال، يستعين بحكايات التاريخ ليبحث عن حلول الحاضر، يرى أن العدل هو أساس الملك والتقدم والرخاء..



قصة حلم و.
الليل.. ليل طويييل.. الحلم قصير والنوم عميق..يأتي مرة أخرى صوت الجدة ليوقظه من سباته،تحكي عن الماضي وجماله وما طرأ عليه من تغيير بعد رحيل الأب لبلاد بعيدة حيث الحمام يصاهر الغربان والأرانب تمتطي السباع والأنهار تصعد للعالي، في النهاية يختم الكاتب بعبارة ربما تبعث في نفوسنا الأمل على التغيير، الفتيات تغني "كنت فين يا علي أمك بتدور عليك" يسمعهم وهو يمسك بيده كتاب "علي الزيبق"، رمز المقاومة وعدم الاستسلام للفساد والظلم.

الكاتب من خلال قصص المجموعة يدعونا للتأمل في التاريخ وقراءته والتعلم منه ويؤكد أنه كلما ازدادت معرفتنا بالماضي أجدنا التعامل مع الحاضر، ويعرض لنا القضية بشكل مختلف من خلال قصة "معارك" وفيها يصحو البطل من سباته والملاحظ أن أبطال محمد إبراهيم عبد العاطي معظمهم في نوم أو حلم وهو بذلك يستدعي الحالة الراهنة والواقع الذي نعيشه، يستيقظ البطل من السبات الذي أصابه بعد طول قراءة، تسقط الكتب بعضها فوق بعض وعنواين الكتب التي ذكرها الكاتب دلالة واضحة عن الحس الوطني ورؤيته لما يحدث على الساحة السياسية وقدرته في التعبير عن ذلك برموز وتلميحات لا تستعصى على الفهم ولكنها تعفيه من المسئولية، من هذه الكتب "شخصية مصر" لجمال حمدان، "فلسفة الثورة" لجمال عبد الناصر و"خريف الغضب" محمد حسنين هيكل الذي وجده منبطحًا فوق كتاب "البحث عن الذات" لمحمد أنور السادات.

من الملاحظ أيضًا أن معظم أبطال المجموعة بلا أسماء، أو ملامح محددة، وإنما هي شخصيات ربما تختلف في أسمائها ولكن تتفق في القضايا والهم المشترك، في قصة بعنوان "قراءة في" حيث يزغرد الرصاص وينكب الناس على وجوههم ويقتل من يقتل ويصاب البعض ويكثر اللغط ويتكلم الناس فيما حدث ثم يعود كل شيء لأصله يذهب الشيوخ للجامع والصغار يلهون في الأزقة والشباب يجلسون على المقهى، لا شيء يتغير مع كل حادثة تحدث.

أبطال المجموعة القصصية "أبو ركوة" رغم السبات والنوم لكنهم جميعًا يعشقون الحرية ويحلمون بها، في قصة نزوة يفاضل الكاتب بين الحرية والأمان ويثير تساؤل في نفوسنا، هل للحرية تبعات علينا أن نرتضي بها ونحارب في الدفاع عنها أو نستكين للأمان ولو سلب حريتنا.

تتناول المجموعة بعض الأمراض الاجتماعية التي نعانيها، مثل التعالي والحكم بالمظاهر في قصة زهو، ازدواجية الإعلام وزيفه في قصة مباغتة حيث يذيع التلفزيون مباريات كأس العالم في وقت تُنتهك فيه كل المعاني الإنسانية ويُقتل الطفل في حضن والده.

احتفت المجموعة القصصية "أبو ركوة" بالموروثات الشعبية، وكان للبيئة تأثير كبير ووجود بارز كرموز هامة في بعض القصص، فنجده يذكر الغربان وهو رمز للشؤم والخراب للتعبير عن الواقع، يسرد وصفًا على لسان الجدة للماضي قائلا "أرض كانت خضراء، وشمس للنهار تضحك، والرجال مع ضوء القمر تتسامر"في حديثه عن الحرية يذكر العصافير،وعن علاقة المرأة والرجل يتساءل عن سر تسمية الرجل بالكلب والمرأة بالقطة.

-بعض المفردات تكررت للدلالة على معاني بعينها، استخدمها الكاتب في القصص..
أكفان الصمت،الغربان والكلاب هي مفردات تعبر عن الظلم والقمع
الحلم، العصافير هي مرادفات للحرية
المقام والشيخ والمقرعة السلطة الدينية وتسلط الخرافات
الجدة رمز الماضي الجميل وصوت الحكمة
-استند الكاتب على التراث في بعض القصص.

مثل قصة أبو ركوة، على الزيبق في قصة "حلم و"، حابي إله النيلفي قصة "إجهاض حلم اليقظة".
في النهاية لا يسعنا بعد الولوج في العالم القصصي للكاتب محمد إبراهيم عبد العاطي بكل ما يحمل من أساليب متنوعة في القص وعرض قضايا ربما يحجم البعض عن التعبير عنها أن نطالبه بالمزيد ونقدم له كل التقدير والاحترام للتجربة الأولى التي لا تخلو من بعض أخطاء الطباعة لا نستطيع أن نعفي الكاتب من مسئوليته عنها بالمشاركة مع دار النشر.

إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads