رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
 نادية فتيحه
نادية فتيحه

"قصة قصيرة .... أمطرت"

الإثنين 18/يناير/2021 - 09:50 م
يشعر بالضجر، عمله فوق الرصيف بتقاطع شارعين، لا يدري كم مضى من وقت، لا يهم، ما الفرق بين الأمس واليوم وغد!
نفس الأشخاص المتجهمة ذات الوجوه المتعبة تمر أمامه كل يوم، تمنى أن يشاركه الأطفال لعبهم ويختبئ خلفه أحدهم ليبحث عنه الآخر كما فى لعبة الغميضة.
ذهب الصيف وابتدأت البرودة تتسلل اليه مما يعني زيادة ساعات عمله، فهو كائن ليلي يأتي دوره بعد غياب الشمس، تمتم؛ كل شيئ بارد هنا، الطقس وأنا والبيوت الكثيرة.
قطع تفكيره صياح رجل إبنته تحررت من يده وإنطلقت بمفردها"لا تقطعي الشارع إنتظري"، أسرع خطاه وأمسك بيد الطفلة، عبرا الطريق سويا، تتبعهما حتى غابا عن محيط بصره ثم عادا بعد قليل، الطفلة تسير بجانب والدها تحمل كيس حبوب، وهي تمر بجواره وقعت منها حبة لم تعرها إنتباها ومضت.
تساءل.. هل الحبة فضلت الهواء الطلق بدلا من حبسها فى الكيس! أم قفزت عن عمد لتؤنس وحدتي!
أمطرت.. لم ينظر الى البيوت والأشخاص والسيارات كيف تغتسل من أرق وتعب الحياة بل كان يراقب الحبة خائفا عليها، أغرقها المطر، غابت عن عينه بضع ساعات ثم ظهر نصفها منتفخا، إطمئن وقال فى نفسه: الحمدلله مازالت هنا، لم تذهب لتختبئ من المطر في أي مكان آخر.
كالأب يخاف على طفلته صار يرقب الصغيرة البريئة النضرة.
إعتدلت في جلستها، تمددت في الأرض قليلا، فردت طولها وتمايلت مع الهواء في غنج، إبتسم لها فأزهرت كمراهقة تطل من نافذة الحب وتغير كل يوم فستانا، فهم انها تحاول مستميتة الوصول اليه، صار ينتظر ويقيس بقلبه كم مللى كبرت اليوم وكم بقى من يوم لتصير في طوله ليستطع ان يراقصها فيحتصنها فيدفئها للأبد.
تغيرت وجوه الناس صارت راضية وملامحهم اجمل، الالوان أزهى، الهواء أنقى، القلوب أطيب.
أمطرت.. رآها تستحم، تتجدد، تتلون، تتفجر إنوثة وتميل إتجاهه قليلا.
إنتفض فرحا وإستمد طاقة أضاءت الكون من حوله، عزم في قرارة نفسه أن يظل يقظا ليل نهار لن يترك لحظة دون رؤيتها.
مرت أيام، أسابيع، شهور، لا يعلم كم ولا يهتم، كانت تكبر، تتفرع داخله أولا ثم بجانبه ثم حوله.
ذات شغف، لامسته وكانت رقصتهما الأولى، كان يرتدي لونا فضيا يتناسب مع رقصة الرومبا الكوبية البطيئة الرومانسية، لفت فروعها عليه وغابا معا، أفاقا على صخب، صوت بلدوزر حقود عزم على اقتلاعها، حاول انتزاعها منه بحجة انها تحجب الاضاءة، صرخت وتشبثت به..
قطعها بلا رحمة، حملها ورحل.
أكل الحزن قلبه، شاخ في لحظتها، تكالب عليه الصدأ وإلتهمه.. وقع عمود الإنارة في المفترق وحيدا.

إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads