رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads

دونا كيخوته تحارب طواحين الهواء في رواية: "طلاق على الطريقة الصينية"

الثلاثاء 01/يونيو/2021 - 12:37 م
الوسيلة
وليد فهمى
دونا كيخوته تحارب

قال الأكاديمي والناقد الأدبي محمد ماهر بسيوني تعليقًا على رواية: "طلاق على الطريقة الصينية" أن بين يدي القارئ رواية من عالم أدبي ما زال غريبا عنه وعما تعود قراءته. فلقد سيطر الأدب الغربي -والرواية في القلب منه بشكل مركزي- على خيال القارئ العربي، بل والأدباء العرب، فصار القارئ لا يستسيغ إلا ما كان مكتوبا على المقاييس الغربية في الكتابة، بما يستتبع ذلك من الإعجاب بالنموذج الغربي سياسيا واقتصاديا وطراز معيشة وأسلوب حياة.
وحتى لا أقسو على القارئ العربي المسكين، فمن العدالة والإنصاف أن أقول إنه كان معذورا في ذلك، فالأدباء العرب يكتبون على النمط الغربي، والمترجمون لا يترجمون إلا ما كان عن لغة أوروبية، وفي الصدارة منها اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، أما الآداب الأسيوية والأفريقية فنادرا ما تُترجم من لغتها الأصلية، بل الغالب أن تُترجم عبر لغة أوروبية وسيطة من التي سبق ذكرها. وهذه الترجمة عبر مرحلتين من اللغة الأصلية إلى اللغة الأوروبية ومنها إلى اللغة العربية، تُسقط الكثير من المعاني والمدلولات الثقافية التي تحملها اللغة الأم وتحشو مكانها معاني ومدلولات ثقافية من اللغة المترجم إليها في المرحلة الأولى، فيكون حالها حين تترجم إلى العربية حال الهجين المُنْبِت المقطوع الصلة بأصله، لا أرضًا قطع، ولا ظهرا أبقى.
ومن بين الآداب العظيمة التي تأخرنا في التعرف عليها، يقف الأدب الصيني شامخا كواحد من أعرق آداب العالم، إذ يمتد تاريخه إلى 3000 عام تقريبا. ويعود هذا التأخر في التعرف على إبداعات اللغة الصينية إلى صعوبة اللغة الصينية من جهة وإلى تأخر افتتاح أقسام لها في جامعاتنا من جهة أخرى. فأقدم أقسام اللغة الصينية في أفريقيا وهو القسم التابع لكلية آداب جامعة عين شمس، افتتح عام 1958 وتخرجت فيه دفعة واحدة بعد أربع سنوات من الدراسة، ثم توقفت الدراسة فيه، ثم أعيد افتتاحه عام 1977. ولم يفتتح قسم آخر للغة الصينية وتبدأ الدراسة فيه إلا في عام 2001، وهو القسم التابع لكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، وفي دفعته الأولى تخرج مترجما رواية: "طلاق على الطريقة الصينية"، وهما: أحمد السعيد، ويحيى مختار.
ورواية "طلاق على الطريقة الصينية" من تأليف الروائي الصيني: "ليو جين يون"، وهو أحد أهم الأصوات الأدبية من جيل الرواد الصينيين الذين عايشوا الثورة الثقافية الصينية، وقد وُلد في مقَاطعة خنان بوسط الصين في مايو 1958، وتخرج في قسم اللغة الصينية في جامعة بكين العريقة عام 1982، ودرس الأدب في معهد لوشون لثلاث سنوات، ونشر عمله الأوَّل -قصَّة: "البرج"- عام 1978، ويعمل حاليَّا محاضرا للأدب الصيني بجامعة الشعب الصينية، بجانب تفرغه للكتابة كأديب من الفئة (أ)، تبعًا لتصنيف اتحاد الكتاب الصينيين. وهو سيناريست شهير، وواحد من الأصوات الأدبية الأكثر قُربا من الجمهور. ويكتب ليو جين يون الروايةَ والقصة والمقال النثرِي والسيناريو والحوار، وقد صدرت له حتى الآن تسع روايات طويلة، إضافة إلى العديد من القصص القصيرة والمتوسطة، وِحُوّلَتْ سبعة من أعماله إلى أفلام ومسلسلات، حقَّقت جماهيرية كبيرة في الصين، منها فيلم مقتبس من رواية: "طلاق على الطريقة الصينية"، كاد أن يُمنع من العرض لولا تدخل مسؤولين صينيين لصالح تمرير عرضه. وهذا يمنحنا فكرة عن مدى جرأة الفيلم والرواية المقتبس عنها في نقد البنية المجتمعية الصينية، خاصة ما يتعلق منها بالعلاقة بين السلطة والشعب واستشراء الفساد.
والحكاية على بساطتها شديدة الخصوصية، ومن هذه الخصوصية استمد اسم الطبعة العربية من الرواية مدلوله ومطابقته لمسماه. فهي عن حادثة طلاق ولكنه ليس طلاقا عاديا بل هو "طلاق مُسبّب" إذا استعرنا لغة اللوائح والقوانين التي تسببت في مأساة بطلة الرواية "شيوليان". فقانون "الطفل الواحد" الصيني يمنع إنجاب أكثر من طفل واحد، ولكن البطلة حامل للمرة الثانية من زوجها "تشين يوخه"، أو كما تقول الرواية: "ولكن الطفل الثاني ممنوع قانونا، فلو كان زوجها فلاحا، فستكون الغرامة بضعة آلاف يوان، ويمكن الإبقاء على الطفل، ولكن زوجها عامل في مصنع السماد، ولو وضعت الطفل الثاني، فبخلاف الغرامة، سيفصل زوجها من العمل، ويضيع مجهود عمله بضع عشرة سنة هباء". ومع رفضها إجهاض حملها تقترح على زوجها الطلاق الصوري حتى يحتفظ كل منهما بابن واحد، ثم يتزوجان مرة أخرى، فالقوانين لا تمنع زواج أب له طفل واحد من أم لها طفل واحد، وبذلك يحتفظا بكلا الطفلين دون مساءلة قانونية. وحين تحصل هي وزوجها على وثيقة الطلاق، ينفصلان لعدة أشهر دون أي اتصال حتى يبعدا عنهما أي شبهة. ولكنها تفاجأ بزواج طليقها من امرأة أخرى وحملها منه أيضا. وبهذا تحول الطلاق الصوري الزائف إلى حقيقة.
وفي رفضها لما حدث -وبعد نصيحة من عاملة دورة مياه- تندفع في إصرار دون كيخوتي محاولة إثبات زيف الطلاق الذي وقع، حتى تجعله يطلق زوجته الحالية وتعكر صفو حياته ولا يتمتع بموت مريح ولا حياة مطمئنة. ولكننا حين نتتبع أحداث الرواية، نجد أن العكس هو الذي حدث، فبينما عاش زوجها آمنا مطمئنا ينعم بحياته مع زوجته الجديدة، قضت البطلة عشرين عاما تحارب طواحين الهواء في الشكوى ورفع القضايا محاولة إثبات زيف طلاقها، وبدلا من أن تنزل به العقاب، أنزلته بنفسها، وبدلا أن تخمد نار غضبها زادتها اشتعالا بمحاولتها الانتقام من طليقها، وبدلا من أن تعاند زوجها فإنها عاندت القاضي وعضو اللجنة القضائية ورئيس الهيئة القضائية والمحافظ والعمدة. وصحيح أنها تسببت في عقابهم وعزلهم ولكنها لم تحصل على العدالة من وجهة نظرها، بل ووضعت نفسها في مواجهة النظام القضائي والسياسي كله لمدة عشرين سنة من المحاولات الفاشلة، كما تسببت في شعور المحافظ بالظلم لعزله بسبب تعامله معها في شكواها، لكنه على عكسها لم يلتفت للماضي ولم يسع للانتقام، بل بدأ حياة بسيطة ناجحة، وفي مشهد كوميدي نجده بعد عشرين عاما يقلد بطلة الرواية ليعود إلى بلدته بنفس الطريقة التي تجعل المسؤولين دائما يعيدون البطلة إلى بلدتها لمنعها من تقديم شكواها في العاصمة بكين.
كل هذه الأحداث تدور في إطار من الكوميديا السوداء التي تمتاز بالسخرية والتهكم والهجاء اللاذع، وتمنحنا اليقين أن العدالة ستظل عصية على التحقق في عالمنا على الرغم من كل القوانين أو ربما بسببها.

إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads