رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك

التعايش القومي والديني في أذربيجان

الخميس 26/أغسطس/2021 - 06:01 م

شكلت أذربيجان طوال تاريخها القديم والحديث بوتقة التسامح بين جميع القوميات والأديان التي عاشت علي أراضيها، بحكم موقعها الجغرافي، شهدت أذربيجان قيام العديد من الدول والحضارات علي أراضيها، وقد تركت تلك الدول الكثير من تراثها علي تلك البقعة الجغرافية، ومن بين بقايا هذه الدول أيضاً النسيج الهائل من التنوع الديموغرافي، حيث ما زال يعيش علي أراضيها العديد من القوميات وأصحاب الديانات المختلفة في وئام وتسامح، لذلك لم تشهد أذربيجان طوال تاريخها اي حروب أو نزاعات علي أساس عرقي أو ديني، فالجميع ينتمي إلي وطن واحد.
تتميز أذربيجان بالتنوع العرقي، فعلي الرغم من أن أغلب السكان من القومية الأذربيجانية التي يزيد نسبتها عن 90% من اجمالي عدد السكان، إلا أن البلاد يعيش بها العديد من القوميات العرقية الآخري، منها "الليزيجيين، الروس، الأرمن، التاليش، الآفار، الأتراك، التتار، الأوكرانيين، التساخور، الجورجيين، الأكراد، التات، الأودينيين"، بالإضافة إلي الأقليات الدينية كاليهود والمسيحيين باختلاف طوائفهم ومذاهبهم. وكان الأرمن يعيشون مع الأذربيجانيين في العاصمة باكو وفي وفي بعض المدن الهامة مثل مدينة سومغاييت الصناعية، بالإضافة إلي إقليم قره باغ، حيث تتمتع جميع القوميات علي قدم السماواة في الحقوق والواجبات كمواطنين أذربيجانيين دون تفرقة.
وهذا التنوع العرقي والديني في أذربيجان انعكس بشكل كبير علي التنوع اللغوي، حيث عمل ذلك التنوع علي وجود أكثر من 13 لغة أصلية في البلاد، إلي جانب اللغة الأذربيجانية، وبعض هذه اللغات تعيش في مجتمعات صغيرة جداً وبعضها الآخر أكثر حيوية، ونظراً لعدم انتشار أغلب تلك اللغات، فإن أصحاب هذه اللغات يتفاهمون مع بعضهم من خلال اللغة الأذربيجانية. ودائما ما تحرص الدولة علي تشجيع القوميات بالمحافظة علي لغاتها وتقاليدها وعاداتها القومية الأصلية، حيث تسمح لتلك القوميات باصدار الصحف والإذاعات المحلية، وبعض القوميات ذات الأعداد الكبيرة يكون لها مدارس خاصة بها للمراحل الأولي من التعليم.
تعد مدينة شوشا حاضرة إقليم قره باغ، ولأن القوات المسلحة الأذربيجانية استطاعت تحرير المدينة من القوات الأرمينية في الثامن من نوفمبر 2020، خلال حرب قره باغ، ومن ثم لم تكن لدي الأرمن فرصة لتدمير المدينة مثل المدن التي انسحبت منها بعد اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم في العاشر من نوفمبر برعاية روسية، حيث عمدت أرمينيا إلي استغلال المهلة الزمنية للإنسحاب من كل مدينة إلي تدميرها وزرعها بالألغام، وذلك قبل انسحابها من كالباجار في 15 نوفمبر، ولاتشين في الأول من ديسمبر، وأغدام وجزء من أقليم جازاخ الأذربيجاني في 20 نوفمبر. وعلي الرغم من أن مدينة شوشا كانت أكثر حظاً إذ لم ينالها الكثير من التدمير، إلا أن المدينة العريقة كان لها نصيب كبير من الإهمال، خاصة المنشآت الدينية والتراثية والبنية الأساسية، فقد عمدت أرمينيا طوال فترة احتلالها للمدينة إلي انهاك البنية الأساسية للمدينة دون أي عمليات تجديد لها، كذلك عدم القيام بأي أعمال صيانة للمنشآت التاريخية والدينية.
شرعت أذربيجان في إطلاق مشروع ضخم لإعادة الإعمار في المناطق المحررة من الإحتلال الأرمني، فشرعت في شق الطرق المعبدة الجديدة، ومد شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وخدمات الهاتف النقال والبث التليفزيوني والإذاعي، وغيرها من مرافق وخدمات البنية الأساسية، ورغم كل ذلك لم تهمل أذربيجان أن يكون في مقدمة أولوياتها إعادة تجديد المنشآت الدينية، فقد تم تشييد السقالات حول الكنيسة الرسولية، إلي جانب مسجد الجمعة، ومسجد ساعاتلي، وقلعة شوشا التاريخية في مدينة شوشا. كذلك يجري العمل دون توقف علي تجدي العديد من المنشآت والكنائس والمساجد في المدن الأخري المحررة، مثل مسجد الجمعة في مدينة أغدام المدمرة والمحترقة، والتي تعد أكثر المدن تدميراً حيث لم يتبقي منها حجراً فوق حجر، بالإضافة إلي مسجد يوخاري جوهر أغا، وغيرها من المساجد التي كانت أرمينيا قد حولتها إلي حظائر للخنازير والحيوانات، ولم تبقي إلا علي مآذنها لإستخدامها في المراقبة الأمنية وللقناصة خلال فترة الحرب الأخيرة.
مازال النسيج الكبير من أصحاب العرقيات والأديان المختلفة يعيشون في مناطق معيشتهم التي نشأوا فيها وتوارثوها عبر القرون، ففي المناطق الجبلية المرتفعة تعيش بعض القوميات وهم يمارسون عاداتهم وتقاليدهم التاريخية، وقد أمدتهم الدول بمختلف المرافق من شبكات المياه والكهرباء، رغم صعوبة مد خطوط تلك المرافق فوق تلك الجبال الوعرة، ولم تجبرهم الدولة علي ترك مناطق معيشتهم التاريخية من أجل التخفيف من تكلفة وصول تلك الخدمات والمرافق الأساسية.
تعتبر أذربيجان أن التنوع العرقي والديني هو أساس تقدم وازدهار المجتمع الأذربيجاني المتسامح، ولذلك تحرص دائما علي زيادة ثقافة الأذربيجانيين بأهمية التعددية القومية، وذلك النهج يختلف كثيراً عن النهج الأرمني القائم علي القومية الواحدة، ولذلك لا يعيش في أرمينيا سوي القومية الأرمينية، حيث تنظر إلي القوميات الآخري نظرة دونية، وهذا ما كان سبباً في الصراع المرير بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم قره باغ. وعلى الرغم من أن المجتمعات التعددية قد تواجه بعض التحديات فيما يتعلّق بتنظيم القوميات وأصحاب المعتقدات المختلفة التي تشكّل المجتمع، والتي قد تميل أحياناً للانعزال عن بعضها البعض لتشكّل وحدات صغيرة بعقليات جامدة ترفض التغيير والتعايش مع الوحدات الأخرى، إلاّ أن التنوع يزيد من نشر مفهوم المواطنة العالمية في المجتمع، ويعمل علي إيجاد منظور جديد عند التعرف على تجارب الغير، بالإضافة إلي تنشأة أجيال لها القدرة علي تقبل الآخر والتقليل من العنصرية، وتلك شيم وسمات المجتمعات المتحضرة.

إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads