الوسيلة : قرار التعريب: نحو مزيد من ترسيخ الطبقية واللامساواة (طباعة)
قرار التعريب: نحو مزيد من ترسيخ الطبقية واللامساواة
آخر تحديث: الأحد 06/05/2018 12:32 م
محمد عز محمد عز

في مايو من العام السابق، حضرت مؤتمر جامعة القاهرة بالتعاون مع مؤسسة أخبار اليوم تحت عنوان "مؤتمر التعليم في مصر: نحو حلول إبداعية" والذي حضره وزيرا التعليم والتعليم العالي، ونخبة من الأساتذة والباحثين المهمومين بقضايا التعليم. وقد قدم الدكتور طارق شوقي آنذاك ملامح النظام التعليمي الجديد الذي ينتوي تطبيقه في العام القادم. لقدرسخ هذا المؤتمر لدي اعتقادي بأننا نعيش في مجتمع اللقطة؛ مجتمع يهتم بالشو الإعلامي على حساب أي شيء آخر، مجتمع المظهر لا الجوهر.
وبعد أن أنهيت هذا المؤتمر على مضض، كتبت في اليوم التالي مقالي بعنوان "مؤتمرات التعليم في مصر: جعجعة بلا طحين". وعلى هامش هذا المؤتمرتحدثت إلى أحد أصدقائي حول ما تم عرضه في المؤتمر، وقلت له بكلمات لا يخالجها الشك، بأن هذا النظام التعليمي الجديد محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ، إنه أشبه بدس السم في العسل، تسويق للكلام ليوهموك بانهم يخترعون مالم يسبقنا إليه أحد، وما تلبث أن تجدهم يعيدون اختراع العجلة، وليتهم يعيدون اختراعها على الطريقة الصحيحة. ينمقون ويجملون الكلمات فتبدوا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ولن أخص حديث اليوم بالحديث عن المؤتمر، أو بالحديث عن النظام التعليمي الجديد كله، ولكن فقط أخصه بالحديث عن واحد من قرارات هذا النظام التعليمي الجديد؛ تلك القرارات العبقرية التي لا يفهم كنهها نحن الأفراد العاديون الذي نعايش الواقع ونلامسه، أو المشتغلون بالبحث العلمي الذين لا يفقهون من الأمر شيئَا!. إنه قرار التعريب.
منذ يومين ثارت حالة من الجدل حول قرار وزير التعليم بتعريب المناهج في المدارس التجريبية. وعلى الرغم من أنك حين تسمع لكلام الوزير وشرحه لقضية التعريب، تبدأ في الاقتناع المبدئي لما طرحه من أفكار، ولكنك ما تلبث أن تسأل السؤال:إذن طالما أن ذلك في مصلحة الطالب، فلماذا لم يتم تطبيق هذا القرار على المدارس الخاصة لغات؟. ألسنا مربوطين بعوالم من حولنا تسيطر اللغة الإنجليزية فيها على كل شئ؟ إنك أن أردت أن تتفوق في أي مجال فعليك أن تكون متقنًا للغة الإنجليزية، وإذا أردت أن تكون ذو شهرة في مجال علمك فعليك أن تكتب باللغة الإنجليزية. فلماذا يصر سيادة الوزير على السماع لصوته فقط؟.
ومن هنا يكون السؤال لسيادة الوزير، ألا تعتقد يا سيادة الوزير أن الذي دفع بك إلى الوزراة هو التعلم في المدراس الأجنبية والتخرج من الجامعة الأمريكية، وإكمال دراساتك العليا في الخارج؟ أليس غالبية الوزراء إن لم يكن كلهم ممن أكملوا دراساتهم بالخارج؟ ومن ثم فهم يجيدون اللغة الإنجليزية أيما إجادة، وكانوا يدرسونها منذ الصغر. فلماذا تنكر على أفراد الطبقة الوسطى أن يتمكنوا من ذلك. هل سيدرس أبنائك وأحفادك بهذه المدارس يا سيادة الوزير؟ أم أنك بالطبع توفر لهم المدارس الدولية حتى يصبح الواحد منهم يتحدث اللغة الإنجليزية ويتقنها أكثر من ايجادته للعربية. وأين الانتماء والهوية منهم؟ أليسوا مصريين مثلنا؟.
هذا بعض من علامات استفهام كثيرة يطرحها المشتغلون بالتربية والتعليم، ويطرحها الأفراد الذين لهم حق مواطنة كامل في هذا البلد، لكن سيادة الوزير يحدثنا دائمًا من القمة؛ فيجب علينا الامتثال. لقد قال الوزير في أحد مداخلاته الهاتفية في أحد البرامج التليفزيونية نصًا "هنساعد الطلبة تتقدم، وطبقا لاختبارات معيارية، ومش عايزين نتكلم فى موضوع اللغات تانى، واللى عايز يعلم ولاده لغات يتجه للمدارس الخاصة للغات أو يسفره برّه»، مضيفا: «التعليم ليس ما يطلبه المستمعون". لم يكن هذا هو الكلام الوحيد الذي يبين لك النظرة الفوقية لمعالي الوزير في الحديث عن أمور التعليم. إن تحليلًا بسيطًا لخطاب الدكتور طارق شوقي يكشف عن نظرة فوقية ورؤية فردية يعتقد دائمًا أنها الأصوب.
يا سيادة الوزير، إن نظامًا جديدًا في أمر هو الأهم على الإطلاق في حياة الأمم والشعوب، ونظاما تقول عنه سيادتكم أنه نظاما جديدًا من الألف إلى الياء، كان يجب أن يتم طرحه للنقاش المجتمعي. اعتقد أيضًا أن قرارًا كالتعريبكان يجب أن يطرح للنقاش المجتعي. ولا تقول لي يا سيادة الوزير أن هذا النظام قد أقره وناقشه عدة خبراء في التعليم. إن خبيرًا في التعليم يتقاضى مرتبا خياليًا ويوفر لأبنائه وأحفاده المدراس الخاصة والدولية، لن يستطيع مهما بلغت خبرته أن ينظر إليه كفرد بسيط، نعم يا سيادة الوزير؛ إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تؤثر على رؤية الأشخاص وأفكارهم، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، ليس هنا مجال ذكرها.
يا سيادة الوزير، إنك بهذا القرار (قرار التعريب) تنقب في حفرة لا تكف عن الإتساع؛ الفجوة بين الطبقات البسيطة والمتوسطة والطبقات الغنية. وإذا أردت سيادة الوزير أن يكون قرارك عادلًا وتثق في صوابه وفاعليته، فعليك أن تطبق ذلك على كل المدارس في مصر بما فيها مدارس اللغات الخاصة.

هذا عتابك إلا أنه مقه
وفق الله كل من يريد خيرًا لهذه البلاد والعباد.