رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads

نسائم أسبوعية ..... للمجتمع المصري

بقلم: ميادة السيد
بقلم: ميادة السيد

"قناة السويس ممر حياة العالم"

الأربعاء 31/مارس/2021 - 04:13 م
كثيرًا ما قضيت عطلات دراستي في منزل جدي - رحمة الله عليه - كان منزله قريبًا جدًا من قناة السويس لا يفصلنا عن شواطئها سوى مئة أمتار سيرًا على الأقدام كنت أسمع دائمًا أصوات بيقان السفن وأرى سوارها العالية منصوبة ظاهرة من بين منازل الجيران, وأتذكر تلك الدهشة التي اعترتني كما شاهدت أعلام البلدان الأخرى ترفرف على السفن المارة كنت أشعر بشيئًا من العظمة والفخر بأن المياه المصرية مياة ملاحة عالمية تطفو عليها بضائع ومؤن دول العالم.

حتى عندما كنا نسبح بها صغارًا ونسمع حديث بالصدفة أنها صنعت بأيدي المصريين كانت تصيبني الصدمة كيف لمياة بحر مالحة أسبح بها تغرس أقدامي في رمالها، وتحيط بي مختلف أسماكها، قاعها غويط قد يسبب الغرق لمن لا يجيدون السباحة بمهارة عالية أن تكون مصنوعة وبأيدي المصريين وعرقهم ودمائهم في زمن كانت آلة الشخص آنذاك هي ذراعه وفأسه فقط.

ظللت في هذا الانبهار متأثرة كثيرًا كلما مررت من هذا الممر الذي يزوره العالم أجمع يوميًا حتى تخصصت في قسم التاريخ بدراستي في الليسانس.

وهنا عرفت القصة كاملة قصة المصريين الذين استطاعوا بناء أهم ممر ملاحي في العالم للربط بين الغرب والشرق، والذي لم يدهشني هذه المرة أن بداية القصة كانت من حضارتنا المصرية القديمة، فقد اجتمع المؤرخون على أن بداية فكرة حفر قناة تربط ما بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر كانت في عهد فرعون مصر "سنوسرت الثالث" من الأسرة الثانية عشر، حيث أراد تسهيل حركة التجارة من الشرق إلى الغرب وانتهت الفكرة إلى ربط البحرين من خلال النيل وفروعه والبحيرات المرة، حيث كانت السفن تمر من النيل حتى مدينة الزقازيق ثم تسلك البحيرات المرة وصولًا إلى البحر الأحمر.

ولكن في نهايات القرن السابع قبل الميلاد سدت الأتربة والرمال هذه القناة، وحاول عدد من حكام مصر في عصور مختلفة إعادة إحياء القناة مثل الفرعون "نخاو الثاني"، و"دارا الأول" ملك الفرس ولكنهم فشلوا، ولم تنجح المحاولة إلا في عهد الرومان على يد الملك "بطاليموس الثاني" الذي أعاد الملاحة إلى هذه القناة. وتأكيدًا على اهتمام الرومان بالملاحة في هذا العصر فقد حفروا قناة جديدة تربط القاهرة عند فم الخليج، واستمرت حتى أعاد إحياؤها "عمرو بن العاص" وأطلق عليها قناة أمير المؤمنين. وأقترح أن يحفر قناة كاملة تربط بين البحرين ولكن الخليفة "عمر بن الخطاب" رفض آنذاك لأنه رأى أن هذا المشروع قد يعرض مصر لعدد كبير من المخاطر. وانتهى المطاف بتلك القناة عندما ردمها الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور" حتى لا تصل أي مؤن مصرية للثائرين على حكمه في مكة والمدينة.

وظلت الطرق البرية هي السبيل الوحيد لنقل التجارة بين الغرب والشرق مرورًا بمصر لعدة قرون، حتى جاء فرمان الامتياز الأول عام ١٨٤٥م، و فرمان الامتياز الثاني عام ١٨٥٦م والذي منحه الخديوي سعيد باشا المهندس الفرنسي "فرديناند ديليسبس" لحفر قناة تربط بين البحرين الأبيض والأحمر.

وتم بعدها تأسيس الشركة العالمية لقناة السويس البحرية وبدء أول أعمال الحفر بها عام ١٨٥٩م وظلت عشر أعوام عانى فيها آلاف المصريين ودفعوا ثمنها من أعمارهم وعرقهم ودمائهم، حتى تم حفل الافتتاح الأسطوري لقناة السويس عام ١٨٦٩م الذي كان محط أنظار العالم أجمع.

ومنذ ذلك التاريخ حتى أيام قليلة لازلنا بسبب هذه القناة محط أنظار العالم أجمع، ففي مشهد مهيب انتظرت سفن العالم أن تفتح مصر ممرها مرة أخرى وتوقفت حركة التجارة بين الغرب والشرق، وفي وقت قصير احتل عنوان "قناة السويس" قنوات وصحف العالم بل واستخدمته أكبر شركات العالم في التسويق لمنتجاتهم. فكانت صدفة بسيطة أعادت النظر للعالم كله فيما يتعلق بمكانة مصر الجغرافية وقوة أبنائها فمن حفروها وسقوها بدمائهم أليسوا بقادرين على تعويم سفينة جانحة في سابقة من نوعها دون تفريغ أي حمولة منها قد تقدر بمئات الأطنان، ونجاحهم المبهر في تحقيق ذلك في أيام قليلة ظنت بعض المؤسسات المتخصصة أنها ستستمر لأسابيع أو شهور ولكنها عظمة المصريين يا سادة.

قد يرى الكثير أن هذا الموقف لقن درسًا لكل من تهاون بقوة مصر وقدرتها على حل الأزمات والخروج منها، ولكني أعتقد أنه لقن درسًا للمصريين أنفسهم الذين نسوا أو تناسى بعض منهم مكانة وطنهم الحبيب، وامكانيات شعبه ومعدنهم الذي يظهر في مثل هذه الأوقات، نسوا أننا قلب العالم، نسوا أن مصر خالدة وباقية بأمر من الله عز وجل لا بأمر أو نهي مخلوق، هذا الدرس لا بد أن تعيه أذهاننا جيدًا ونتذكر دائمًا أن وطننا هو شريان حياة للعالم، وأن قناة السويس هي ممر حياة للعالم، وأن المصريون في كل العصور والأزمان قادرين على تخطي الصعوبات ومستعدون لضرب أقوى أمثلة العزيمة والإصرار للعالم مهما كانت الانتقادات فالقافلة تسير ..... وللنسائم بقية.

إرسل لصديق

ads
هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads