رئيس التحرير
عصام عثمان
 
ads
د. عزوز علي إسماعيل
د. عزوز علي إسماعيل

أنات الألم في رواية "الشَّنْط" للأديبة نوال حلاوة ( 1 )

السبت 29/مايو/2021 - 01:38 م
يا لها من صدفة عجيبة، منذ فترة ليست بالقصيرة وأنا أعاني من آلام في الرأس والأذن، كتبت فيها رواية طويلة وأتردد في طباعتها حتى الآن، فإذا بي أتفاجأ بهذه الرواية التي آلمتني أكثر مما أنا فيه من ألم ولكن عزائي أنني علمت أن هناك من يعاني مثلي ويرصد تلك المعاناة، ولو أنني رأيت هذه المخطوطة قبل أن أخط كتابي المعروف "الألم في الرواية العربية"والذي يترجم إلى الإيطالية الآن والذي حوى أكثر من مائة رواية، لضمنته نقدي لهذه الرواية، ولكن سأفعل في الطبعة الثانية التي هي قيد النشر بإذن الله؛ حيث تأتي هذه الرواية لتضع بصمة حقيقية ومعاناة حقيقية لشخص أراد أن يدون ما آلمه بكل أمانة حتى تكون نصيحة كبرى لمن يعاني من تلك الآلام، وهو ما أكبره لدى الكاتبة التي أرادت أن تؤرخ لهذا الألم الذي أصاب البطلة، فالعمل يأتي باعتباره سيرة ذاتية في الأساس مع إضفاء بعض الخيال عليه بحكم أنه رواية والرواية تحتاج إلى خيال في بعضها حتى ولو كانت سيرة ذاتية من الألف إلى الياء. مثلما فعلت الكاتبة نعمات البحيري في روايتها "يوميات امرأة مشعة".
الكاتبة والأديبة نوال حلاوة سطرت لنا هذه الرواية بمداد ألمها، وكانت البطلة شمس هي الشمس التي لن تغيب أبداً حتى ولو تعرضت لانتكاسات الحياة؛ فقد ظلت حبيسة الفراش لمدة عام، عانت فيه من صداع الرأس ظل ملازماً لها طوال هذه الفترة، وزرع بداخل رأسها جهاز يسمى "بالشنط" وهو المسمى به هذه الرواية، وكانت مهمة هذا الجهاز تصريف مياه المخ، وعاشت شمس سنة كاملة في ألم وحزن لا انقطاع لهما ولم تكن هي الوحيدة التي تتألم بل أيضاً أسرتها وزوجها العاشق لها نور الدين، وتدور السنة ويأتي اليوم الذي تقرر فيه الطبيبة الإيرانية زادة أن تزيل هذا الجهاز من رأسها وألا تزرع في رأسها جهازاً آخر، وهو ما عبرت عنه الكاتبة في هذه الجمل لمحبوبها نور الدين بعد أن منَّ الله عليها بالشفاء، تقول الكاتبة: "غير مصدق أن شمس التي عانت من خمس عمليات جراحية في الدماغ استعادت حيويتها بين عشية وضحاها، جراحة ليلة أمس كانت مسك الختام لإنقاذ حياتها" . لقد حاولت الكاتبة في بداية العمل أن تلخص كل ما مرت به البطلة عبر حياتها الماضية، وصولاً إلى هذه اللحظة الجميلة لحظة الشفاء من الألم الذي حاق بها. اعتمدت الكاتبة في هذا العمل على تقنية الاسترجاع مع السرد المباشر، حيث بدأت بعد تلك المقدمة في سرد ما كان مع وصف شديد لتلك الحالة التي ألمت بالبطلة شمس، والتي تتقاطع مع ألم الكاتبة، ولكنها في المقدمة تناولت دور هذه الطبيبة الماهرة وكيف أنها كانت بارعة في تشخيص الألم، مما ساعد كثيراً في الشفاء؛ لأن التشخيص الصحيح يؤدي إلى العلاج الصحيح، تقول عن الدكتورة زادة: "خبرتني د. زادة أنها قررت ألا تزرع شنطاً آخر، إذ لم تعد له ضرورة بعد أن أزيل الورم الحميد قبل أسبوع من دماغي من قبل زميلها في مستشفى تورونتو الدكتور جنتلي"ص8. تؤكد الكاتبة على لسان البطلة أنها تقدر وتحترم تلك الطبيبة الإيرانية؛ لأنها عرفت موطن الألم وبدأت في العلاج الصحيح، الأمر الذي يذكرني بالدكتور طلعت شاهين المصري الذي يعيش في إسبانيا، ولم تستطع مستشفى القصر العيني الفرنساوي في مصر تشخيص حالته بالدقة المطلوبة، وكان الوصف أن هناك أملاحاً وترسبات في القدم، ولكن الرجل بعد أن ساءت حالته دون نتيجة مُرضية عاد إلى موطن عيشه في أسبانيا ليدخل المستشفى وهناك اكتشف الألم الحقيقي، وهو ورم سرطاني بجوار المخ بحجم البرتقالة لذلك سطَّر رواية حملت عنوان "البرتقالة والعقارب". وقد قمت بدراستها في كتابي سالف الذكر. الشاهد هنا هو التشخيص الصحيح للألم. تقول الكاتبة هنا "زاد الطين بلة عجز الأطباء عن تشخيص هذه الأعراض العجيبة رغم معاناتها أيضاً من عدم المقدرة على السير السليم، والوقوع كلما حاولت الوقوف"ص22. فجاءت هذه الرواية شارحة لما كان وهو ما أكد عليه زوج شمس نور الدين حين ذكر لها أنها يجب أن تكتب رحلة معاناتها طالما أن الله شفاها تقول الكاتبة على لسان نور الدين: "فكرة عظيمة يا شمس؛ أن تكتبي قصة مرضك الغريب.. ألم تطلبي من الله أن يفعل ما يريد بك على ألا يحرمك من نعمة القراءة والكتابة ألم يفعل؟ لقد استجاب لدعائك يا حبيبتي"ص12. ومن هنا بدأت الرواية.
الإرادة والإيمان والتفاعل النصي transtextualite
حين علمت شمس بألمها لم تجد إلا التوجه إلى الخالق سبحانه وتعالى، تناجيه وتدعوه أن يكشف عنها هذا الضر الذي أصبح يؤلمها وأصبحت هناك أعراض له لم يعرفها الأطباء حتى من المتخصصين في المجال، فقد أصبحت تبول على نفسها دون أن تشعر، وعجز طبيب المسالك البولية عن معرفة السبب وأكد لها أن المجاري البولية بالنسبة لها في قمة شبابها ونشاطها، الجميع لم يكن يعلم أن هذا الألم نابع من المخ خاصة وأنها كانت تقع على الأرض دون معرفة الأسباب، وهناك زوجها الذي كان يتألم مما يحدث لها وهي صاحبة إرادة وعزيمة تلجأ دائماً إلى الدعاء والدعاء الوارد هنا هو من التفاعل النصي الذي يحدث حراكاً في العمل وهو ما يسمى بالمُناص، والمُناص هو ما يأتي به الكاتب ويكون كلاماً للغير تدعو شمس بالدعاء المأثور قائلة: "إلهي وكلتك أمري فيسره وأعني على بلواي.. إلهي، لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه برحمتك يا أرحم الراحمين"ص14. وصلت شمس إلى حالة صعبة من الألم الأمر الذي جعلها تتساءل عن حالها ونفسها وما أصابها، تؤكد ذلك من خلال الراوي العليم "أصبحت شمس تتساءل باحثة عن إجابات لأسئلة بدأ يتردد بعضها في مخها المريض وهي لا تعرف أن بمخها مرضاً"ص16. وهذا هو أول ذكر للمخ الذي به الألم، وهو ما يرتبط من بعيد أو قريب بذكر المخ الذي كان يأتي به الوالد من أجل أكله حيث كان يأتي لهم بمخ الخروف، وكانت العائلة تسعد بأكله، وقد آثرت الكاتبة ذلك مثل تلك الأمور لتطرح أسئلة مبطنة حول ما إذا كان هناك علاقة بألمها في مخها بما كانت تأكله من مخ الخروف؟ وإذا كانت هناك علاقة فلماذا لم يصب الآخرون بهذا الألم، في نهاية الأمر "أصبحت شمس في حالة غريبة لم تفهم نفسها فيها ولم تجدها". يزداد الألم كلما تقدم بها الوقت وكانت في انتظار العرض على أحد الأخصائيين في مونتريال بكندا عن طريق ابنها أمير، وحين زاد الألم أرسلت لابنها أنها لم تعد تستطيع الصبر وكانت رسالة منها قد تألم من أجلها الابن والزوج قال : "أنا ضايعة ومش لاقية نفسي على الإطلاق"ص27. كانت هذه الجملة كفيلة أن يتحرك الابن ويأتي ليأخذ الأم شمس إلى الطبيب، ولكنها تصاب بخيبة ألم أخرى؛ حيث لم يتوصل الطبيب لأي نتيجة وطلب من الابن أن يأخذ موعداً آخر، وما أدراكم ما الموعد الآخر، فقد ينتظر المريض من ستة أشهر إلى سنة، وقد طلب الطبيب عمل أشعة على الظهر، فالمريضة تتألم والطبيب لم يعطها شيئاً للراحة ومعنى ذلك أنها ستأخذ موعداً لفترة أخرى، وفي هذا التوقيت حلَّ برأسها المثل العربي وهي تعيش هناك في كندا أي أنها لم تنفصل عن كيانها العربي ذكرت المثل "موت يا حمار لغاية ما يجي العليق". على الرغم أن المجال مجال سخرية من طول الفترة التي ستقضيها المسكينة شمس في انتظار موعد آخر إلا أن الكاتبة هنا أكدت على ارتباطها العربي وأن أمتها العربية تعيش بداخلها رغم بساطة المثل العربي وما يدل عليه من طول المدة التي ستعقبه، ويؤكد المثل المصري على أنه يجب أن يطول البال في تنفيذ أي مهمة، ويعود هذا المثل او "المتفاعل النصي" كما يعرف الآن إلى ذلك الحاكم الذي أراد أن يقتل حماراً دخل بستانه، وأصرَّ على قتله ولكن أحد الرجال عرض على الحاكم أنه سيعلمه النظام الملكي في مدة عشر سنوات، مقابل بعض المال، فوافق الحاكم بشرط أن سيقطع رقبة الرجل إن لم يعلم الحمار، وخرج لزوجته التي تعلم أنه لن يستطيع فعل ذلك فقال لها بعد عشر سنوات إما يموت الحالكم أو أنا أموت أو يموت الحمار، وموت يا حمار أهم شيء أنه سيعيش في قصر يعلم فيه الحمار ومن هنا جاء المثل. وهناك ما يسمى بمضرب المثل ومورد المثل. والكاتبة هنا ضربت المثل بطول مدة العلاج أو مدة الموعد وهذا ما يسمى بمضرب المثل بينما مورد المثل فهي حكايته الأصلية. من هنا فإن هناك اشتغال للمناص قبله وبعده، وهي إطالة مدة العلاج وهو مرتبط بهذا الألم الذي عانته البطلة شمس. تقول الكاتبة: "لأن أخذ موعد آخر من أي أخصائص في أي مستشفى في مونتريال لا يقل عن ستة أشهر إلى عام"ص27.
لم يكتشف سبب الألم عند شمس إلا الأشعة المقطعية التي بينت أن هناكمياها زائدة في رأسها يجب أن تزال وأن هناك ورما صغيراً محتمل أن يكون سرطانياً بجوار المخ، وهو الأمر الذي يتشابه تماماً مع ما حدث للكاتب المصري طلعت شاهين الذي يعيش في أسبانيا وقد ذكر له الطبيب قوله: "أملك في الحياة ضعيف جدًا برأسك ورم بحجم البرتقالة، كلما زاد حجمه زاد ضغطه على المخ، حياتك في خطر. كلمات باردة قالها الدكتور روديجيث كاراسكو أخصائي المخ والأعصاب، حسب ما قدم لي نفسه بعد تلك الكلمات القاسية" . ولكن هنا عند شمس قد تملكها الخوف رغم أن الوصول إلى التشخيص الصحيح في حد ذاته يعتبر إنجازاً كبيراً وقد أراحها بعض الشيء تقول: "أخذت أحيي من اكتشف مرضي، ومن صنع أجهزة الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي التي كشفت عن حالتي المرضية بعد معاناة شهرين"ص31. رضيت البطلة شمس بقضاء الله ورغم ما يمور بداخلي من ألم إلا إنها شعرت بانفراجته طالما أن الأمر بات واضحاً ومعروفاً وهو ما جعلها تحيي الطبيب الذي اكتشف حالتها، وأصر الطبيب على أن يعرف كل التفاصيل السابقة خاصة تلك الحوادث التي حدثت لها وارتطام رأسها في أي شيء سابق، وهو ما حاولت البطلة سرده بكل دقة. لينتهي الحال إلى تشخيص الألم بالتفاصيل، فقد ذكر رئيس القسم لها "عندك مشكلتان: الأولى ماء زائد حول مخك؛ سبب لك العوارض الغريبة.. الثانية ورم صغير حميد، لا يزيد حجمه عن سنتيمتر، سبَّب انسداد في قناة تصريف ماء رأسك"ص37. وتم إجراء أكثر من جراحة الأولى كانت زرع الشنط وهو ما عنونت به الكاتبة العمل، وتوالت رحلة العلاج التي دامت سنة، تخللتها خمس عمليات.
الشنط / العنوان/ الألم
عرَّفت العنوان من قبل في معجمي حول عتبات النصوص بالقول: العنوان كتلة اقتصادية كبرى تهضم العمل ككل، وشرط أساسي أن يتوزع العنوان على العمل من أوله إلى آخره أي أن العنوان يمتد بداخل العمل ويلقي بظلاله عليه، وكانت هذه الرواية دليلاً قاطعاً على ارتباط العنوان بكل أركانها، فالشنط هو ذلك الجهاز الذي زرع في رأس شمس من أجل تسهيل عملية خروج الماء من الرأس، وهو نفسه الذي قد سبب لها آلاما عدة، فقد زرع المرة الأولى بالخطأ وهنا يقع الخطأ على الجهة على المستشفى التي لا تراعي الإنسانية بل كانت تراعي القوانين الوضعية بسبب 5 آلاف دولار، وهو ما حدا بالألم إلى أن يزال الشنط الأولى ويتم تركيب شنط ثان في رأس المسكينة شمس، وما حدث لها من آلام كان بسبب الشنط الأول: "أشكو من صداع لم يرحمني من جراحة زرع الشنط ولم أعد أستطيع انتظار شهر آخر لمراجعة طبيبي الجراح"ص57. الأمر الذي أدى إلى تدخل جراحي مرة أخرى بسبب ما وقع فيه الطبيب السابق من خطأ، وهذه الأخطاء البشرية آلمت هذه الأنثى وتأتي باللائمة على الضمير عند الأطباء تقول: "لو قام طبيبي باستئصال الورم الحميد الذي لم يزد حجمه عن سنتيمتر لرحمني من زراعة الشنط ومضاعفاته الخطيرة، (الأول سبب لشمس انكماشاً ونزيفاً في المخ، والثاني سرب لرأسها بكتيريا السحايا القاتلة، هذا هو الخطأ الأول. ولو اجتهد طبيب الأذن لمعرفة سبب نقص السمع وأذني اليسرى على مدار سنوات الفحص لما وصل الحال إلى ما وصل إليه وهذا هو الخطأ الثاني". لقد استمرت البطلة في ألم الصداع فترة طويلة وكان بسبب تلك الأخطاء، من هنا فإن العنوان له امتداده داخل العمل أي أنه يلقي بظلاله على العمل بأكمله وتتسع رقعته أكثر في تفريعاته وما سببه الشنط من آلام جانبية. ويُعتبَرُ العنوانُ منْ أهمِ عَتَبَاتِ النُّصوصِ؛ لأنَّه صَاحِبُ السُّلطةِ الأقوى في النَّــصِّ، وهو كُتْلَةٌ اقتصاديةٌ مَطْبُوعَةٌ على صَفْحة الغلاف أو في بداية مقالة أو ما شابه ذلك في كافة الفنون, وهو يدلُّ على شَيءٍ ما، وفي كل الأحوال، هو مرسلةٌ كلاميةٌ تحتاجُ إلى مستقبلٍ لها من خلال عُنْصرِ التَّلقي, فالكاتبُ يَضَعُ عنواناً للعمل ليأتي القارئ ويقرأه، وقد جاءتْ لفظةُ العنوانِ في لِسَانِ العَربِ على مادَتيْنِ الأولى "عنن" والثَّـانية "عنا" والأولى دارت حول التعريض والأثر والاستدلال؛ حيث قيل "وعَنَنْتُ الكتابَ وأَعنَنْتُه لكذا أي عَرَّضتُه له وصرَفْته إليه. وعَنَّ الكتاب يَعُنُّه عَنّا وعَنَّنه: كَعَنْوَنَه, وعَنْوَنْتُه وعَلْوَنْتُه بمعنى واحد, مشتق من المعنى" نلاحظ هنا أنَّ العنوان ارتبط بالمضمون نفسه من خلال العلاقة الرَّابطة بينهما، فَعِنْوَانُ الكِتَابِ دالٌّ على الكتاب، كما أنَّ عُنوانِ المَقَالَةِ دالٌ على المَقَالَةِ, حيثُ حمل المعنى في ذاته, فضلاً عن أنَّه قد حمل معنى العلامة للشَّيء الذي يخضع له, يأخذ منه منطلقه وتفريعاته, شريطة أن يدور في فلكه وهو السِّمَةُ . " ويقال للرَّجل الذي يُعَرِّض ولا يُصرِّحُ: قد جعل كذا وكذا عُنْواناً لحاجته؛ وأنشد:
وتَعْرِفُ في عُنوانها بعضَ لَحْنِها وفي جَوْفها صَمْعاءُ تَحْكي الدَّواهيا
قال ابن بري: والعُنْوانُ الأثر؛ قال سَوَّار بن المُضرِّب:
وجاجـةٍ دونَ أخرى قد سَنَحتُ بها جعَلْتُها للتي أخفيْـــــــــتُ عنــوانا
العنوان هنا هو العنوان الثقيل الذي تناولته في معجمي والعنْوَانُ الثَّقيلُ مثل "الشَّنط" هو ما يَصعبُ فهمه للوهلة الأولى، سواء أكان كلمةً واحدةً أم جملةً، لأنَّ المُتلَقِّي إذا صَعُبَ عليه فهم العنوانِ، فسيسعى من أجل فكِّ طلاسُمه؛ لأنَّه لا يستطيع الولوج إلى النَّـصِّ إلا بعد فهم العنوان. ويدخل في ذلك معظم العناوين العلمية والموسوعات والدوريات الضخمة التي تحتاج إلى فهم. موسوعة علوم البحار. موسوعة جينيس، وكما هو الحال في عناوين بعض الأعمال الأدبية كما في عنوان مسرحية للكاتبة لمياء مختار "ولكنه موتسارت"، والمتلقي لم يع هذا العنوان فيضطَّرُّ إلى البَحْثِ عن موتسارت. وكما في عنوان رواية يوسف زيدان "النَبَطِي" وعنوانُ رواية للكاتب إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" فمن هو سعيد أبو النحس، وما تلك الوقائع الغريبة. وبالتَّالي فإنَّ العنوان الثقيل هو ما يصعب على المتلقي فهمه لأول وهله، كما في رواية "ستيغماتا" للكاتبةِ منال عبدالحميد، فلا نعرف معناها إلا إذا بحثنا عنها. وهنا وفي مجال حديثنا فإن الشنط يحتاج إلى تفسير وتوضيح؛ فهو جهاز يوضع في الرأس من أجل إزالة المياة المترسبة بجوار المخ وله آلامه. وما يؤكد ذلك أن الشنط الأول قد سبب لها ألما في رأسها وصداعاً وتيها؛ لأنه قام بسحب مياه الرأس كلها الأمر الذي أدى إلى انكماش ونزيف المخ.
إنسانياً، فالكاتبة لا تنس على الإطلاق الوظيفة الأولى للرواية وهي التعليم، فحاولت أن تعطي المتلقي جرعة قوية جداً لما أحدثه الألم حتى لا يتوان لحظة في البحث عن الطبيب الجيد للعلاج والوصف الصحيح والتشخيص السليم للمرض تقول الكاتبة: "لا أريد لأحد أن يحدث له ما حدث لي. أريد أن أترجم روايتي لكل لغات العالم، حتى تكون عبرة لعلها تجعل جرَّاحي الدماغ المتلهفين يتحلون بصبر أكبر ورحمة أكثر"ص92.
في النهاية لا بد وأن نعرف أن الأديبة نوال حلاوة تعيش في المهجر منذ سنوات طويلة أي أنها قرأت الأدب العالمي وهضمته وأخرجت لنا هذا العمل والذي يعتبر متعة حقيقية في القراءة ورحلة البحث عن المجهول، هي في حد ذاتها رواية "اقرأ" هي رواية التجربة، هي رواية المعاناة والألم، في النهاية هي مغامرة كان لا بد منها من قبل الأنثى.
ولنعلم جميعاً أن الأنثى إذا باحت بالألم فاعلم أنه خارج نطاق سيطرتها.






إرسل لصديق

هل توافق على اخذ لقاح كورونا

هل توافق على اخذ لقاح كورونا
ads
ads